أخبار العالم

الصين تخفض واردات النفط.. ضغط متزايد على السعودية والإمارات والعراق

تراجع الواردات الصينية يغيّر توازن سوق النفط دخل سوق النفط الآسيوي مرحلة مختلفة خلال صيف 2026، بعدما خفضت الصين مشترياتها…

الصين تخفض واردات النفط.. ضغط متزايد على السعودية والإمارات والعراق
حجم النص

تراجع الواردات الصينية يغيّر توازن سوق النفط

دخل سوق النفط الآسيوي مرحلة مختلفة خلال صيف 2026، بعدما خفضت الصين مشترياتها من الخام بصورة كبيرة بالتزامن مع اضطراب الإمدادات القادمة من الشرق الأوسط. ولم يعد تأثير الأزمة محصوراً في نقص البراميل المتاحة، بل أصبح مرتبطاً أيضاً بقدرة أكبر مستورد للنفط في العالم على استخدام مخزوناته وتغيير مصادر التوريد.

وبحسب بيانات أوردتها رويترز في 10 أغسطس، بلغت واردات الصين من النفط الخام في يوليو نحو 8.41 مليون برميل يومياً، بزيادة واضحة عن يونيو الذي سجل قرابة 7.12 مليون برميل يومياً، وهو من أدنى المستويات المسجلة خلال نحو عقد. ومع ذلك، ظل رقم يوليو أقل بنسبة 24.3% عن المستوى المسجل في الشهر نفسه من العام الماضي. 0

وعند جمع شهري يونيو ويوليو، بلغ متوسط الواردات الصينية نحو 7.78 مليون برميل يومياً، مقابل متوسط يقارب 11.99 مليون برميل يومياً قبل اندلاع الحرب. وهذا الفارق يوضح أن تراجع المشتريات الصينية ليس حركة شهرية عابرة، بل أصبح عاملاً مؤثراً في توازن سوق النفط الآسيوية.

المخزونات الصينية تمتص جزءاً من الصدمة

السبب الرئيسي في عدم ظهور انخفاض الواردات الصينية بصورة أكبر في الاستهلاك الفعلي هو المخزونات. وتمتلك الصين احتياطيات نفطية ضخمة، وقدّرت رويترز حجم المخزونات الاستراتيجية وحدها بأكثر من 1.2 مليار برميل.

وتسمح هذه المخزونات للمصافي الصينية بالحفاظ على جزء من عملياتها حتى عندما تتراجع الإمدادات القادمة من الخارج. لذلك فإن انخفاض الواردات لا يعني بالضرورة انخفاض الاستهلاك المحلي بالمقدار نفسه.

لكن استخدام المخزون ليس حلاً دائماً. فكل برميل تسحبه المصافي من المخزونات يقلل الحاجة إلى الاستيراد في الوقت الحالي، لكنه يخلق حاجة مستقبلية لإعادة بناء الاحتياطيات. وإذا استمرت اضطرابات الإمدادات أو ظلت أسعار الخام مرتفعة، فقد يصبح قرار إعادة تكوين المخزون أكثر تكلفة.

روسيا تستفيد من الفراغ الخليجي

أحد أبرز التغييرات التي ظهرت في السوق الصينية هو زيادة الاعتماد على الخام الروسي. فقد رفعت شركة سينوبك مشترياتها من خام ESPO القادم من الشرق الأقصى الروسي، بعدما تراجعت الإمدادات القادمة من الشرق الأوسط.

ووفق رويترز، حصلت سينوبك على نحو 30 إلى 40 شحنة من خام ESPO للتسليم بين يوليو وسبتمبر، بما يعادل تقريباً 241 ألفاً إلى 320 ألف برميل يومياً. كما انخفضت مشتريات الشركة من الخام السعودي من نحو 20 مليون برميل في مارس وأبريل إلى حوالي مليوني برميل فقط في أغسطس. 1

ويتمتع الخام الروسي حالياً بعدة مزايا بالنسبة إلى المصافي الصينية، من بينها قصر المسافة مقارنة ببعض البدائل، وتوافر الإمدادات، إضافة إلى الخصم السعري. وتشير بيانات رويترز إلى أن خام ESPO كان يتداول بخصم يقارب دولاراً إلى دولارين للبرميل عن خام برنت، ما يعزز جاذبيته للمشترين في بيئة تتسم بارتفاع مخاطر الشحن.

وهكذا لم تؤد أزمة الشرق الأوسط إلى رفع تكلفة كل البدائل النفطية بنفس الدرجة؛ بل فتحت أيضاً مساحة أكبر للمنتجين الذين يستطيعون توفير الخام عبر طرق أقل تعرضاً للمخاطر.

السعودية أمام تغير في أهم سوق آسيوية

تُعد الصين من أهم الأسواق للنفط السعودي، ولذلك فإن التحول في المشتريات الصينية يحمل أهمية مباشرة لشركة أرامكو ولصادرات المملكة.

انخفاض مشتريات سينوبك من الخام السعودي لا يعني فقدان السعودية للسوق الصينية بصورة دائمة، لكنه يوضح أن المصافي الآسيوية تستطيع تغيير مزيج الإمدادات عندما ترتفع مخاطر النقل أو تتغير الأسعار النسبية بين الخامات.

وتزداد أهمية هذه المسألة بالنسبة إلى السعودية لأن جزءاً كبيراً من قدرتها الإنتاجية يعتمد على الطلب الآسيوي. وإذا استمرت الصين في تخفيض وارداتها أو فضّلت خامات روسية أرخص، فقد تضطر الخامات الخليجية إلى تقديم خصومات أكثر تنافسية للحفاظ على حصتها.

في المقابل، فإن عودة حركة الملاحة عبر مضيق هرمز إلى مستويات طبيعية ستغير الحسابات سريعاً. انخفاض تكاليف النقل والتأمين وعودة الإمدادات الخليجية إلى السوق الآسيوية قد يعيدان الخام السعودي والإماراتي إلى موقع أكثر قوة أمام البدائل الروسية.

الإمارات والعراق أمام المنافسة نفسها

لا تقتصر المسألة على السعودية. الإمارات والعراق والكويت من كبار منتجي النفط الذين يعتمدون على الأسواق الآسيوية لتصريف كميات كبيرة من الخام.

ويواجه العراق وضعاً حساساً بصورة خاصة، لأن قدرته على الوصول إلى الأسواق تتأثر في الوقت نفسه بمسارات التصدير وحركة الملاحة. وتظهر بيانات رويترز أن صادرات النفط الخام والمكثفات من دول الخليج، بما فيها السعودية والإمارات والعراق والكويت وإيران، بلغت نحو 10.7 مليون برميل يومياً في يوليو، لكنها ظلت أقل بنحو 40% من مستويات ما قبل الحرب. 2

ويعني ذلك أن المنتجين الخليجيين لا يواجهون فقط مشكلة انخفاض الطلب الصيني، بل يعملون أيضاً في بيئة تقل فيها القدرة على نقل الخام بصورة طبيعية. ومع تراجع المعروض الخليجي في آسيا، تستطيع روسيا وبعض المنتجين الآخرين الاستفادة من المساحة التي تتركها البراميل الخليجية.

آسيا كلها خفضت مشترياتها

المشكلة لا تخص الصين وحدها. فقد بلغ إجمالي واردات آسيا من الخام في يوليو نحو 22.82 مليون برميل يومياً، وفق بيانات رويترز، وهو تحسن عن القاع الذي بلغ نحو 18.77 مليون برميل يومياً في أبريل، لكنه ظل أقل بصورة واضحة من مستويات ما قبل الحرب. 3 اقرأ أيضاً: حصري: سينوبك الصينية تكثف مشتريات النفط الروسي وسط تراجع حاد لواردات النفط السعودي.

وهذا يعني أن انخفاض الطلب الصيني جاء ضمن تراجع أوسع في السوق الآسيوية. ارتفاع الأسعار خلال فترة من الأزمة دفع بعض المشترين إلى تأجيل الشحنات، بينما ساهمت اضطرابات هرمز في تقليص قدرة المصافي على الحصول على الإمدادات المعتادة.

ومن منظور المنتجين الخليجيين، فإن عودة الطلب الآسيوي ستكون عاملاً مهماً في تحديد اتجاه الأسعار وحجم الصادرات، وليس مجرد عودة حركة السفن إلى المضيق.

الطلب الصيني قد يعود لكن ليس بالضرورة إلى المستوى السابق

من الخطأ اعتبار انخفاض واردات الصين الحالي دليلاً نهائياً على انهيار الطلب على النفط. فجزء من التراجع مرتبط بالأسعار، وجزء آخر بالمخزونات، كما أن اضطرابات الإمداد دفعت المصافي إلى إعادة ترتيب مشترياتها.

لكن الأزمة كشفت في الوقت نفسه قدرة الصين على إدارة جزء من الصدمة من خلال مخزوناتها وتنويع مورديها. وهذا يمنح بكين مساحة أكبر للتفاوض على الأسعار والشروط عندما تتوافر لديها بدائل متعددة.

وتشير بيانات يوليو إلى أن الواردات الصينية بدأت بالفعل في التعافي من مستويات يونيو شديدة الانخفاض. إلا أن عودة الواردات إلى مستويات العام السابق ستحتاج إلى تحسن مستمر في حركة التجارة وتراجع مخاطر الشحن واستقرار الأسعار.

النفط الروسي يواجه فرصة استراتيجية

إذا طال أمد اضطراب الإمدادات الخليجية، فقد يتحول التوسع الروسي في السوق الصينية من استجابة مؤقتة إلى علاقة تجارية أكثر رسوخاً. اقرأ أيضاً: عجز ألمانيا التجاري مع الصين يقفز….

وتملك روسيا ميزة مهمة تتمثل في قدرتها على إرسال خام ESPO إلى الصين عبر مسار بحري لا يعتمد على مضيق هرمز. كما أن زيادة صادرات روسيا من موانئها الغربية في أغسطس تأتي في وقت يظل فيه الطلب الآسيوي قوياً، بحسب بيانات نقلتها رويترز. 4

لكن قدرة روسيا على زيادة حصتها ليست بلا حدود. فالعقوبات، وتوافر الناقلات، والمخاطر اللوجستية، وأوضاع الإنتاج والتكرير الروسية كلها عوامل يمكن أن تحد من استمرار هذا التوسع.

السعر وحده لن يحسم المنافسة

في الظروف الطبيعية، تستطيع السعودية والإمارات والعراق المنافسة بقوة في آسيا بسبب جودة الخامات، وقرب الأسواق، والقدرة الإنتاجية الكبيرة والعلاقات الطويلة مع المصافي.

أما في الظروف الحالية، فقد أصبحت تكلفة الرحلة والتأمين ودرجة المخاطر الجيوسياسية جزءاً من السعر الفعلي للبرميل. ولذلك يمكن لخام روسي أن يصبح أكثر جاذبية لمصفاة صينية حتى إذا لم يكن أرخص بكثير من الخام الخليجي عند نقطة الإنتاج. اقرأ أيضاً: مزيد من التفاصيل حول تقرير خاص | كيف قفز فائض التجارة السعودي 328% رغم تراجع شحنات النفط؟.

وتزداد أهمية هذه المعادلة مع استمرار انخفاض حركة الناقلات في الممرات البحرية الرئيسية. فقد أشارت رويترز إلى أن حركة السفن عبر هرمز وباب المندب لا تزال أقل بكثير من مستوياتها الطبيعية، مع ارتفاع عدد الهجمات على السفن خلال يوليو. 5

الضغط على إيرادات المنتجين الخليجيين

بالنسبة إلى السعودية والإمارات والعراق، لا يتمثل الخطر فقط في انخفاض عدد البراميل المباعة إلى الصين. الخطر الأكبر هو اجتماع ثلاثة عوامل في وقت واحد: انخفاض حجم الطلب، وزيادة المنافسة الروسية، وارتفاع تكاليف النقل والتأمين.

وقد يؤدي اجتماع هذه العوامل إلى ضغط على فروق الأسعار التي تبيع بها الشركات الخليجية خاماتها، حتى إذا بقي سعر برنت عند مستويات مرتفعة نسبياً.

وهذا فارق مهم في قراءة تأثير الأزمة على المالية العامة. ارتفاع سعر النفط العالمي لا يعني تلقائياً ارتفاع الإيرادات النفطية للدول المصدرة بنفس النسبة؛ فحجم الصادرات وسعر البيع الفعلي وتكاليف النقل والخصومات كلها تدخل في النتيجة النهائية.

المعادلة الجديدة في السوق الآسيوية

أصبحت الصين خلال أزمة 2026 لاعباً أكثر تأثيراً في موازنة سوق النفط الآسيوية. فهي لا تعوض كل برميل مفقود من الخليج ببرميل روسي، ولا تخفض الاستهلاك فوراً مع كل ارتفاع في الأسعار، بل تستخدم المخزونات وتعيد توزيع مشترياتها بين الموردين.

وهذا يمنحها قدرة على امتصاص الصدمات لفترة، لكنه يضع المنتجين الخليجيين أمام تحدٍ مختلف: عليهم الحفاظ على حصصهم في أكبر سوق استهلاكية آسيوية في وقت أصبحت فيه المنافسة على كل برميل أكثر حساسية للسعر والمخاطر اللوجستية.

إذا عادت حركة هرمز إلى طبيعتها سريعاً، فقد تستعيد الخامات الخليجية جزءاً كبيراً من موقعها في الصين. أما إذا طال الاضطراب، فإن التحول نحو الخام الروسي واستخدام المخزونات الصينية قد يصبحان أكثر رسوخاً، وهو ما يجعل المنافسة على السوق الآسيوية أحد أهم المتغيرات التي ستحدد مستقبل أسعار النفط وإيرادات كبار المصدرين خلال الأشهر المقبلة.

تحديث ذو صلة: أدنوك تغيّر قواعد بيع النفط بعد الخروج من أوبك.. حصتها في آسيا تقفز إلى 32%.

تحديث ذو صلة: لماذا يُعد مضيق هرمز مهماً للاقتصاد العالمي؟ ومن يدفع ثمن تعطّل أهم ممر نفطي؟.

تحديث ذو صلة: صادرات النفط السعودية تدخل «الظلام» في البحر الأحمر.. الناقلات تغيّر مساراتها مع تصاعد تهديد الحوثيين.

تحديث ذو صلة: هجوم جديد في هرمز.. استهداف ناقلتين تابعتين لـ«أدنوك» والإمارات تتهم إيران.

تحديث ذو صلة: تركيا تخفض واردات النفط الروسي مع اضطرابات صادرات البحر الأسود.

تحديث ذو صلة: صادرات نفط السعودية «تختفي من الرادار».. ناقلات «ينبع» تتجنب تهديدات الحوثيين.

تحديث ذو صلة: مخزونات الألمنيوم تهبط لأدنى مستوى منذ 36 عاماً.. هل يقترب العالم من صدمة جديدة؟.

تحديث ذو صلة: السيارات الصينية تغزو العالم.. لماذا تتراجع مبيعاتها في الداخل؟.

تحديث ذو صلة: ترتيب دول العالم حسب إنتاج واحتياطي النفط 2026.. أين تقف الإمارات؟.

تحديث ذو صلة: باكستان تلجأ للنفط الأمريكي هربًا من اضطرابات هرمز.

تحديث ذو صلة: ترتيب دول العالم حسب احتياطي النفط 2026: القائمة الكاملة لأكثر من 99 دولة.

تحديث ذو صلة: طلبات ترفع الإيرادات 19% إلى 8 مليارات درهم.. فلماذا هبطت الأرباح 18%؟.

تحديث ذو صلة: سوق النفط يستعد لأزمة هرمز طويلة الأمد.. لماذا قد يبقى الخام قرب 90 دولاراً حتى 2027؟.

مشاركة المقال
كاتب في WorldIMN

كاتب ومحرر صحفي متخصص في الأخبار العامة والاقتصادية والشؤون الدولية كاتب ومحرر صحفي يختص بتغطية الأخبار العامة والاقتصادية وأبرز الأحداث الدولية، مع اهتمام خاص بالتطورات السياسية والاقتصادية، وأسواق المال، والأعمال، والتكنولوجيا، والطاقة، والقضايا الإقليمية والعالمية. يلتزم بتقديم محتوى إخباري دقيق وموثوق يعتمد على المصادر الرسمية والبيانات الموثقة، مع الحرص على الموضوعية والحياد والسرعة في نقل الأخبار، بما يزوّد القرّاء برؤية واضحة وشاملة لأهم المستجدات في العالم.

جميع مقالاته ←
📬

ابقَ على اطلاع دائم

اشترك في نشرتنا الإخبارية واحصل على أحدث الأخبار الاقتصادية مباشرة إلى بريدك.