مضيق صغير يربط الخليج بالاقتصاد العالمي
يقع مضيق هرمز بين إيران وسلطنة عُمان، ويربط الخليج بخليج عُمان وبحر العرب. وعلى الرغم من أن عرضه الجغرافي لا يجعله أكبر ممر مائي في العالم، فإن موقعه يجعله واحداً من أهم نقاط الاختناق في تجارة الطاقة الدولية.
وتكمن أهمية هرمز في أن معظم صادرات الطاقة من دول الخليج المنتجة للنفط والغاز إلى الأسواق العالمية تمر عبره أو تعتمد على منشآت مرتبطة به. ولهذا فإن أي اضطراب طويل في الملاحة لا يبقى مشكلة إقليمية، بل ينتقل سريعاً إلى أسعار الطاقة والشحن والتأمين وسلاسل الإمداد العالمية.
وتشير إدارة معلومات الطاقة الأمريكية إلى أن تدفقات النفط عبر المضيق بلغت في النصف الأول من 2025 نحو 20.9 مليون برميل يومياً، أي ما يعادل قرابة 20% من استهلاك السوائل النفطية العالمي ونحو ربع النفط المنقول بحراً عالمياً. كما مر عبره أكثر من 20% من تجارة الغاز الطبيعي المسال العالمية خلال الفترة نفسها. 0
كم من النفط يمر عبر هرمز؟
الأهمية الحقيقية للمضيق لا تكمن في النفط وحده، بل في حجم التدفقات وتركيزها الجغرافي. فدول مثل السعودية والإمارات والعراق والكويت وقطر تعتمد بدرجات مختلفة على الممرات البحرية المرتبطة بالخليج لتصدير الطاقة.
وفي النصف الأول من 2025، ذهب نحو 89% من النفط الخام والمكثفات التي عبرت هرمز إلى الأسواق الآسيوية. وكانت الصين والهند واليابان وكوريا الجنوبية الوجهات الرئيسية، واستحوذت مجتمعة على نحو 74% من إجمالي تدفقات الخام والمكثفات عبر المضيق، وفق بيانات إدارة معلومات الطاقة الأمريكية. 1
وهذا يفسر لماذا لا يمكن النظر إلى هرمز باعتباره مشكلة تخص دول الخليج وحدها. فالمصافي الآسيوية تعتمد على هذا التدفق، وأي تغيير في كلفته أو انتظامه ينعكس على أسعار الوقود والبتروكيماويات والنقل في اقتصادات تمتد من الصين إلى الهند واليابان وكوريا الجنوبية.
ماذا عن الغاز القطري؟
يكتسب المضيق أهمية إضافية بسبب الغاز الطبيعي المسال. فقد بلغ متوسط تدفقات الغاز الطبيعي المسال عبر هرمز في النصف الأول من 2025 نحو 11.4 مليار قدم مكعبة يومياً، أي أكثر من خمس تجارة الغاز الطبيعي المسال العالمية، وكانت قطر المصدر الرئيسي لهذه التدفقات. 2
وهنا تظهر نقطة مختلفة عن النفط: بعض بدائل النفط يمكنها الاعتماد على خطوط أنابيب ومسارات أخرى، بينما تكون قدرة تجارة الغاز الطبيعي المسال على استبدال الطريق البحري محدودة بصورة أكبر.
ولهذا فإن استمرار اضطراب هرمز لا يضغط فقط على سوق النفط، بل يمكن أن يرفع تكاليف الطاقة في أسواق الغاز التي تعتمد على الشحنات القادمة من الخليج.
لماذا لا تستطيع خطوط الأنابيب تعويض المضيق بالكامل؟
تمتلك السعودية والإمارات بالفعل بنية تحتية تسمح بتحويل جزء من صادرات النفط بعيداً عن هرمز. وتقدر إدارة معلومات الطاقة الأمريكية أن خطوط الأنابيب السعودية والإماراتية القادرة على تجاوز المضيق توفر معاً نحو 4.7 ملايين برميل يومياً من الطاقة.
لكن هذه القدرة لا تعادل حجم التدفقات التي تمر عبر هرمز. ولهذا فإن خطوط الأنابيب تمثل وسيلة لتخفيف الصدمة، وليست بديلاً كاملاً عن المضيق. 3
وهذا الفارق مهم جداً في فهم السوق: إغلاق المضيق لا يعني بالضرورة اختفاء كل النفط الخليجي من السوق، لكنه يعني أن جزءاً كبيراً من التدفقات يحتاج إلى مسارات بديلة أو ترتيبات لوجستية أكثر تعقيداً.
ماذا يحدث عندما تتراجع حركة السفن؟
أظهرت بيانات الشحن في أغسطس 2026 حجم التحول. ففي 10 أغسطس انخفض عدد السفن التي عبرت المضيق إلى 6 سفن فقط، مقارنة بمتوسط يقارب 11 سفينة خلال الأيام العشرة السابقة. وفي اليوم التالي سجلت بيانات أخرى 8 سفن فقط، مقابل متوسط يقارب 12 سفينة. 4
وهذه الأرقام لا تعني أن كل حركة النفط توقفت، لكنها تعكس ارتفاع المخاطر إلى مستوى يجعل بعض شركات الشحن والمشترين أكثر حذراً في إرسال السفن إلى المنطقة.
وتتأثر السوق هنا بعاملين في الوقت نفسه: كمية النفط التي تستطيع الشركات شحنها فعلياً، وتكلفة نقل الكميات التي ما زالت قابلة للشحن.
التأمين والشحن يصبحان جزءاً من سعر النفط
عندما ترتفع مخاطر الملاحة، لا يحتاج سعر الخام نفسه إلى الارتفاع حتى ترتفع التكلفة النهائية للمشتري. فقد تزيد أقساط التأمين ضد مخاطر الحرب، وترتفع أجور الناقلات، وتطول الرحلات، ويحتاج المشترون إلى دفع علاوات إضافية للحصول على سفن مستعدة لدخول المناطق عالية المخاطر.
وهذا ما يجعل اضطراب هرمز مختلفاً عن مجرد انخفاض مؤقت في إنتاج النفط. فالصدمة يمكن أن تنتقل من البحر إلى سوق الشحن، ثم إلى المصافي، وبعد ذلك إلى أسعار الوقود والسلع.
وقد حذرت الأونكتاد من أن اضطرابات هرمز يمكن أن ترفع تكاليف الطاقة والنقل والأسمدة، بما ينعكس في النهاية على أسعار الغذاء وتكاليف المعيشة، خصوصاً في الاقتصادات النامية التي تعتمد بدرجة كبيرة على واردات الطاقة والمواد الغذائية. 5
من يدفع الثمن الأكبر في آسيا؟
آسيا هي الطرف الأكثر تعرضاً لتداعيات اضطراب هرمز بسبب اعتمادها الكبير على نفط وغاز الخليج. فالصين والهند واليابان وكوريا الجنوبية تستقبل الحصة الأكبر من الخام الذي يمر عبر المضيق.
بالنسبة للمصافي، لا تكمن المشكلة في العثور على النفط فقط، بل في العثور على النفط بالمواصفات والكميات والمواعيد نفسها. وعندما يتغير مسار الشحنة، يمكن أن تتغير تكلفة النقل ووقت الوصول وحتى اقتصاديات تشغيل المصفاة.
وقد بدأت هذه المشكلة تظهر في سوق النفط الآسيوية خلال الأزمة الحالية. ففي 13 أغسطس، عرضت ذراع التداول التابعة لشركة TotalEnergies خام البصرة العراقي للتحميل في مواقع خارج مضيق هرمز، مع علاوة تقارب 10 دولارات للبرميل فوق أسعار دبي، في محاولة لجذب المشترين وسط مخاطر الشحن. 6
كيف تتعامل السعودية والإمارات والعراق مع الأزمة؟
لا تتعامل دول الخليج مع اضطراب هرمز بالطريقة نفسها.
السعودية تمتلك خط أنابيب شرق-غرب الذي يسمح بتحويل جزء من الخام إلى موانئ البحر الأحمر، بينما تمتلك الإمارات بنية تحتية تسمح بتصدير جزء من خام أبوظبي بعيداً عن المضيق. ويملك العراق أيضاً مسارات تصدير مختلفة، لكنها لا تستطيع ببساطة استبدال كل صادرات جنوب البلاد التي تعتمد على الخليج.
ولهذا أصبحت المرونة اللوجستية ميزة تجارية بحد ذاتها. الشركات التي تستطيع تغيير ميناء التحميل أو مسار السفينة أو شروط التسليم بسرعة تكون في وضع أفضل للتعامل مع اضطرابات السوق.
أدنوك تقدم نموذجاً جديداً لتجارة النفط
وتظهر هذه المرونة بوضوح في استراتيجية أدنوك خلال 2026. فبعد خروج الإمارات من أوبك في مايو، بدأت الشركة في استخدام مبيعات فورية وشروط تسليم أكثر مرونة، كما لجأت إلى ترتيبات نقل من سفينة إلى أخرى خارج هرمز.
وبحسب تقرير لرويترز، وصلت حصة أدنوك من صادرات النفط الشرق أوسطية المتجهة إلى آسيا إلى نحو 32% في منتصف 2026، مقابل نحو 20% في العام السابق. كما أضافت الشركة 11 ناقلة كبيرة إلى أسطولها ووسعت تعاملاتها مع شركات تجارة النفط العالمية. 7
وهذا التحول مهم لأنه يوضح كيف يمكن لأزمة الملاحة أن تغير ليس فقط مسارات السفن، بل أيضاً طريقة بيع النفط نفسها وشروط التفاوض بين المنتجين والمشترين.
هل يستطيع العالم تعويض نفط هرمز بسرعة؟
الجواب يعتمد على مدة الاضطراب. إذا كان التعطيل قصيراً، تستطيع الأسواق استخدام المخزونات والمسارات البديلة وإعادة ترتيب بعض الشحنات. لكن إذا استمر لفترة طويلة، تصبح المشكلة أكثر تعقيداً.
فالمسارات البديلة لها طاقة محدودة، والمخزونات ليست بلا نهاية، ورفع الإنتاج من مناطق أخرى يحتاج إلى وقت، بينما لا تستطيع المصافي الآسيوية دائماً استبدال نوعية الخام الذي اعتادت عليه بسرعة.
ولهذا فإن الأسواق لا تسعر فقط عدد البراميل التي خرجت من السوق، بل تسعر أيضاً احتمال استمرار المشكلة ومدى قدرة المنتجين والمشترين وشركات الشحن على التكيف معها.
لماذا يتجاوز تأثير هرمز سوق الطاقة؟
الطاقة هي نقطة البداية، لكنها ليست النهاية. ارتفاع النفط يرفع تكاليف النقل والصناعة، بينما يؤدي ارتفاع الغاز إلى زيادة تكلفة إنتاج الكهرباء وبعض المواد الكيميائية والأسمدة.
وتشير الأونكتاد إلى أن صدمة هرمز يمكن أن تنتقل إلى التجارة العالمية عبر الطاقة والنقل والأسمدة وسلاسل الإمداد، وأن الاقتصادات النامية تكون أكثر عرضة للضغط بسبب محدودية قدرتها المالية على امتصاص ارتفاع تكاليف الواردات. 8
كما أن ارتفاع تكاليف الطاقة يمكن أن يعقد مهمة البنوك المركزية. فإذا ارتفعت أسعار الوقود والنقل والغذاء، يصبح من الصعب التمييز بين التضخم الناتج عن الطلب والتضخم الناتج عن صدمة خارجية في تكاليف الإنتاج.
هرمز يعيد رسم خريطة تجارة الخليج
الدرس الأهم من أزمة 2026 هو أن أمن الطاقة لم يعد منفصلاً عن أمن الملاحة. فامتلاك النفط والغاز لا يكفي إذا أصبح نقل الشحنة إلى المشتري أكثر خطراً أو تكلفة.
ولهذا بدأت شركات النفط الخليجية في التفكير بصورة أكبر في الموانئ البديلة، وخطوط الأنابيب، وأحجام الأساطيل، وشروط العقود، وطرق تسليم الخام. وقد يتحول بعض هذه التغييرات إلى ترتيبات دائمة حتى بعد عودة الملاحة إلى مستويات أكثر طبيعية.
ماذا لو استمر اضطراب مضيق هرمز؟
استمرار الاضطراب سيعني على الأرجح ارتفاع أهمية المخزونات والمسارات البديلة، وزيادة علاوات بعض الخامات، وارتفاع تكاليف التأمين والشحن، مع احتمال انتقال جزء من هذه التكلفة إلى المستهلكين.
لكن حجم التأثير النهائي سيعتمد على ثلاثة عوامل رئيسية: مدة اضطراب الملاحة، كمية الطاقة التي يمكن تحويلها إلى طرق بديلة، وقدرة المنتجين والمشترين على إعادة ترتيب عقودهم وشحناتهم.
وفي الوقت الحالي، تظهر حركة السفن أن هرمز لم يعد يعمل بالطريقة التي اعتادتها الأسواق قبل الأزمة. وهذا وحده كافٍ لجعل المضيق عاملاً يومياً في قرارات منتجي النفط، ومصافي آسيا، وشركات الشحن، والمستثمرين في أسواق الطاقة.
سجّل الدخول للمشاركة في التعليقات. يتم استخدام بيانات حسابك تلقائياً.