ثلاثة أسواق، حدث واحد يحرّكها جميعا
في يوم واحد، تقاطعت ثلاثة مؤشرات اقتصادية كبرى لترسم صورة واحدة: الحرب المستمرة بين الولايات المتحدة وإيران بدأت تعيد تشكيل خرائط الطاقة والملاذات الآمنة عالميا. فبينما أغلقت وول ستريت على خسائر حادة عقب تثبيت الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي لأسعار الفائدة، قفز الذهب نحو أعلى مستوياته في أسابيع، في وقت غيّرت فيه شحنة نفط كندية مسارها التاريخي لتتجه إلى اليابان للمرة الأولى منذ أكثر من عام، هروبا من مخاطر التوريد المتصاعدة في الخليج.
هذه التطورات الثلاثة ليست منفصلة؛ فجميعها يعكس استجابة الأسواق العالمية لحرب دخلت مرحلة جديدة من التصعيد، طالت هذه المرة منشآت طاقة داخل السعودية نفسها، وامتدت لتشمل هجمات حوثية على ناقلات بعيدا عن مياه الخليج التقليدية.
الذهب يرتد من أدنى مستوى في تسعة أشهر
ارتفع الذهب في المعاملات الفورية بما يصل إلى 0.8% ليقترب من مستوى 4100 دولار للأونصة، مواصلا مكاسب الجلسة السابقة البالغة 0.9%، بعد أن كان قد سجل قبل أسابيع قليلة أدنى مستوى له في تسعة أشهر عند 3975 دولارا في منتصف يوليو الجاري. ويأتي هذا الارتداد في أعقاب قرار الاحتياطي الفيدرالي الإبقاء على أسعار الفائدة دون تغيير، وسط تصويت منقسم داخل اللجنة الفيدرالية للسوق المفتوحة عارض فيه ثلاثة من أعضائها الاثني عشر القرار مفضلين رفع الفائدة.
| المؤشر | المستوى الحالي | السياق |
|---|---|---|
| الذهب الفوري | قرب 4100 دولار | ارتداد من قاع 9 أشهر عند 3975 دولارا |
| مؤشر داو جونز | 51594.14 نقطة (-2.19%) | أسوأ جلسة منذ أبريل 2025 |
| عائد سندات 10 سنوات | أعلى من 4.67% | +7 نقاط أساس بعد قرار الفدرالي |
| توقعات JPMorgan للذهب 2026 | حتى 5000 دولار | بحلول الربع الرابع |
| توقعات ING للذهب 2026 | متوسط 4325 دولارا | للعام بأكمله |
ويرى محللون أن الذهب يستفيد حاليا من عاملين متعارضين في ظاهرهما: فمن جهة، تدفع الحرب المستمرة أسعار النفط للارتفاع بما يعزز احتمالات تشديد السياسة النقدية لاحقا؛ ومن جهة أخرى، يدفع التوتر الجيوسياسي نفسه المستثمرين نحو الملاذات الآمنة. وقد أدى الهجوم الإيراني الأخير على قوات أمريكية في الخليج ومنشآت طاقة داخل السعودية إلى ترجيح كفة الطلب على الذهب كملاذ آمن.
البنوك المركزية تواصل الشراء رغم التقلب
لا يقتصر الدعم الذي يحظى به الذهب على الطلب اللحظي المرتبط بالحرب، إذ تشير بيانات مجلس الذهب العالمي إلى أن البنوك المركزية حول العالم تواصل شراء المعدن الأصفر بوتيرة تُعد من بين الأعلى تاريخيا منذ عام 1950، حتى في ظل التصحيح الحاد الذي شهدته الأسعار منذ اندلاع الحرب الإيرانية. وتصدرت بولندا قائمة الدول الأكثر شراء تراكميا خلال العام، تلتها أوزبكستان، ثم الصين التي تواصل إضافة الذهب إلى احتياطياتها للشهر التاسع عشر على التوالي، وكازاخستان.
- بولندا: أكبر مشترٍ تراكمي للذهب في 2026
- الصين: 19 شهرا متتاليا من زيادة الاحتياطي الذهبي
- دول جديدة انضمت لقائمة المشترين: إندونيسيا، كينيا، كمبوديا، ماليزيا
- استطلاع مجلس الذهب العالمي: 89% من المصرفيين المركزيين يتوقعون ارتفاع الاحتياطيات العالمية من الذهب خلال 12 شهرا
يرى محللون أن شراء الذهب بالنسبة لعدد من هذه الدول لم يعد مجرد قرار استثماري، بل تحوّل إلى خيار سيادي للحد من الاعتماد على الدولار الأمريكي كأصل احتياطي وحيد.
النفط يغيّر مساره: اليابان تتجه إلى كندا لأول مرة منذ عام
في مؤشر موازٍ على إعادة رسم خرائط التوريد العالمية، أظهرت بيانات تتبع السفن أن شحنة من النفط الخام الكندي، تحملها الناقلة “فريدم جلوري” وتصل سعتها إلى 750 ألف برميل، تتجه حاليا إلى ميناء كيري في اليابان، في أول عملية توريد مباشرة من نوعها منذ أوائل عام 2025. وتولت شركة إكسون موبيل استئجار الناقلة، فيما اشترت شركة إينيوس، أكبر مصفاة يابانية، الشحنة المنقولة عبر خط أنابيب ترانس ماونتن من ألبرتا إلى فانكوفر. اقرأ أيضاً: وول ستريت يسجل أقوى موجة صعود.. هل غيّر تقرير الوظائف مسار الفائدة الأمريكية؟.
ويأتي هذا التحول في وقت تسعى فيه مصافي التكرير اليابانية إلى تنويع مصادر إمداداتها بعيدا عن دول الخليج، بعدما أدت الحرب إلى تعطيل شحنات الخام العابرة عبر مضيق هرمز، وأعلنت جماعة الحوثي المتحالفة مع إيران عن حظر بحري يستهدف السعودية، ووسّعت هجماتها على الناقلات لتشمل مياه بعيدة عن الخليج التقليدي.
قال ريتشارد رو، كبير محللي السوق لدى منصة كبلر لتتبع السفن، إن عمليات الشراء اليابانية الجديدة عبر خط ترانس ماونتن تعكس دورا متناميا لكندا ضمن استراتيجية الاستيراد الآسيوية المتغيرة، مع سعي شركات التكرير لتنويع مصادرها بعيدا عن دول الخليج.
ما الذي يعنيه هذا للأسواق الخليجية؟
تحمل هذه التطورات مجتمعة دلالات مباشرة لدول الخليج المصدّرة للطاقة. فمن جهة، يعني تحول جزء من الطلب الآسيوي التقليدي نحو مصادر بديلة كالنفط الكندي تراجعا محتملا في حصة السوق التقليدية لدول الخليج على المدى المتوسط إذا استمر التصعيد. ومن جهة أخرى، يرفع ارتفاع أسعار الذهب والتوتر الجيوسياسي المستمر من جاذبية الأصول الآمنة على حساب الأسواق الناشئة والعملات المرتبطة بالدولار، بما فيها عملات الخليج المرتبطة به بشكل مباشر. اقرأ أيضاً: الجيش الأمريكي ينفق 400 مليون دولار….
- تراجع محتمل في حصة الخليج من واردات النفط الآسيوية إذا استمر التصعيد
- ارتفاع تكلفة التمويل عالميا مع صعود عائدات السندات الأمريكية
- استمرار الطلب المؤسسي على الذهب كمخزن للقيمة وسط تقلبات الأسواق الناشئة
ويبقى مسار الحرب الأمريكية الإيرانية، ونتائج أي محادثات دبلوماسية محتملة بشأن حرية الملاحة في مضيق هرمز، العامل الحاسم في تحديد ما إذا كانت هذه التحولات في أنماط التجارة والاستثمار العالمية ستكون مؤقتة أم أنها بداية إعادة هيكلة أعمق لخرائط الطاقة والملاذات الآمنة على المدى الطويل.