صادرات العراق النفطية تدخل مرحلة الاختناق
دخلت صادرات النفط العراقية مرحلة جديدة من الضغط بعد تراجع الكميات المصدرة إلى ما بين 1.5 و1.7 مليون برميل يومياً، مقارنة بنحو 3.4 مليون برميل يومياً قبل اضطراب حركة الملاحة في مضيق هرمز. وفي الوقت نفسه، يبلغ إنتاج العراق من الخام حالياً نحو 2.7 مليون برميل يومياً، ما يكشف حجم الفجوة التي خلّفها تعطل منافذ التصدير أمام أحد أكبر منتجي النفط في المنطقة.
المشكلة بالنسبة إلى بغداد لا تتعلق فقط بعدد البراميل التي تصل إلى الأسواق العالمية، بل بما يحدث عندما يصبح الإنتاج النفطي أكبر من قدرة البلاد على إخراجه. فكل برميل لا يجد طريقاً إلى المشتري يتحول من مصدر للإيرادات إلى عبء على عمليات الإنتاج والتخزين والميزانية العامة.
وهذه المعادلة تضع الاقتصاد العراقي أمام اختبار حساس: كيف تحافظ الدولة على إنتاج النفط، وتمول الإنفاق العام، وتمنع تراكم الخام، بينما يظل الجزء الأكبر من صادراتها مرتبطاً بممر بحري واحد؟
من 3.4 مليون برميل إلى 1.5-1.7 مليون
تكشف الأرقام الجديدة حجم الصدمة. فالصادرات التي كانت تدور حول 3.4 مليون برميل يومياً انخفضت إلى نطاق يتراوح بين 1.5 و1.7 مليون برميل. وبذلك فقد العراق في بعض أيام الأزمة أكثر من نصف قدرته المعتادة على تصدير الخام.
ولا يعني انخفاض الصادرات بالضرورة أن حقول النفط العراقية فقدت القدرة الفنية على الإنتاج بالقدر نفسه. المشكلة الأساسية أصبحت في قدرة المنظومة بأكملها على نقل الخام من الحقول إلى الأسواق الخارجية.
هذا الفارق مهم اقتصادياً. فالعراق يمتلك احتياطيات وإمكانات إنتاجية كبيرة، لكن قيمة هذه الموارد تعتمد في النهاية على وجود شبكة قادرة على نقل النفط وبيعه في الأسواق الدولية. وعندما يتعطل منفذ التصدير، فإن الطاقة الإنتاجية التي كانت تمثل قوة اقتصادية تتحول إلى مصدر ضغط تشغيلي ومالي. اقرأ أيضاً: اقتصاد السعودية ينكمش 4.8% في الربع الثاني.. النفط يتراجع 24.7% والأنشطة غير النفطية تقاوم.
لماذا يمثل مضيق هرمز مشكلة أكبر للعراق؟
العراق ليس الدولة الخليجية الأكثر قدرة على تجاوز اضطرابات هرمز. فجزء كبير من إنتاجه النفطي يتركز في الجنوب، خصوصاً حول البصرة، بينما تمر الصادرات الرئيسية عبر الموانئ والمنشآت الجنوبية قبل أن تدخل المسار البحري الذي يعتمد على مضيق هرمز.
وتشير البيانات الرسمية السابقة إلى أن نحو 95% من صادرات النفط العراقية كانت تمر عبر هذه المنظومة الجنوبية المرتبطة بالمضيق. وهذا يجعل العراق أكثر تعرضاً للاختناقات البحرية من منتجين يملكون منافذ تصدير بديلة إلى البحر الأحمر أو موانئ خارج الخليج.
ولهذا فإن اضطراب هرمز لا يمثل بالنسبة إلى بغداد مجرد مشكلة لوجستية مؤقتة. إنه يختبر هيكل الاقتصاد النفطي نفسه.
فكلما طال تعطل الحركة البحرية، ازدادت الحاجة إلى خفض الإنتاج أو تخزين الخام أو تحويل جزء منه إلى المصافي المحلية. وكل خيار من هذه الخيارات يحمل تكلفة مختلفة على الاقتصاد.
المشكلة تبدأ عندما تمتلئ الخزانات
النفط الخام لا يمكن التعامل معه مثل سلعة يمكن إنتاجها بلا حدود ثم تركها في مكانها إلى حين تحسن ظروف السوق. حقول النفط تحتاج إلى إدارة مستمرة للإنتاج، وشبكات الأنابيب والخزانات والمرافئ تعمل ضمن طاقات محددة.
ولهذا فإن استمرار توقف أو تباطؤ التصدير يمكن أن يجبر المنتجين على خفض معدلات استخراج الخام، خصوصاً عندما تقترب طاقات التخزين من حدودها التشغيلية.
العراق واجه هذا السيناريو بالفعل خلال المراحل السابقة من اضطراب هرمز. ففي مارس، أعلنت وزارة النفط خفض إنتاج شركة نفط البصرة من مستويات تجاوزت 3 ملايين برميل يومياً إلى نحو 900 ألف برميل، مع توجيه الكميات المنتجة إلى تشغيل المصافي بعد توقف الصادرات من الموانئ الجنوبية.
وهنا تظهر المفارقة: العراق يستطيع إنتاج النفط، لكنه لا يستطيع بالضرورة بيع الكميات نفسها في الخارج عندما تصبح طرق التصدير مقيدة.
لماذا لا يستطيع العراق ببساطة تحويل النفط إلى طريق آخر؟
الجواب يرتبط بالبنية التحتية التي تطورت على مدى عقود. القسم الأكبر من الطاقة النفطية العراقية تركز تاريخياً في الجنوب، بينما تحتاج مسارات التصدير البديلة إلى أنابيب ومحطات ضخ ومرافئ واتفاقات عبور وقدرات تخزين.
هناك بالفعل منفذ عبر خط كركوك-جيهان إلى تركيا، كما يعمل العراق على توسيع خياراته البرية وخطوط الأنابيب باتجاه الغرب. لكن هذه البدائل لا تستطيع حتى الآن أن تحل محل القدرة الهائلة التي يوفرها نظام التصدير الجنوبي.
وتعمل بغداد أيضاً على مشروع خط البصرة-حديثة الذي يستهدف إنشاء مسار جديد يمكن أن يدعم تصدير الخام عبر اتجاهات تتجاوز مضيق هرمز. وتبلغ الطاقة المستهدفة للمشروع نحو 2.5 مليون برميل يومياً، مع تخصيص نحو 1.5 مليار دولار للمرحلة المرتبطة بالبنية التحتية للمشروع. اقرأ أيضاً: الصين أمام معضلة النمو.. لماذا لا….
لكن بناء خط أنابيب بهذا الحجم لا يحل أزمة اليوم. فالبنية التحتية الجديدة تحتاج إلى وقت وتمويل وعقود وأعمال إنشائية وتشغيلية قبل أن تتحول إلى منفذ تصدير فعلي.
الطريق عبر تركيا.. حل موجود لكنه محدود
يملك العراق تجربة قديمة في استخدام الأراضي التركية للوصول إلى الأسواق العالمية عبر ميناء جيهان. وقد اكتسب هذا المسار أهمية أكبر خلال أزمة هرمز، بعدما بدأت بغداد تبحث عن وسائل لتقليل اعتمادها على الموانئ الجنوبية.
كما طُرحت خيارات لنقل الخام براً عبر شبكة إقليمية تشمل تركيا وسوريا والأردن. إلا أن نقل ملايين البراميل يومياً بهذه الطريقة يواجه تحديات كبيرة، من الطاقة الاستيعابية للأنابيب إلى تكاليف النقل والتأمين والاستقرار الأمني في الدول التي تمر بها الخطوط.
لهذا فإن البديل التركي يمكن أن يكون جزءاً من الحل، لكنه لا يمثل نسخة برية كاملة من نظام التصدير البحري الجنوبي.
النفط العراقي أمام معادلة مختلفة عن السعودية والإمارات
تكشف الأزمة اختلافاً مهماً بين العراق وبعض كبار المنتجين في الخليج. فامتلاك النفط بكميات ضخمة لا يعني بالضرورة امتلاك الدرجة نفسها من المرونة اللوجستية.
السعودية والإمارات، على سبيل المثال، استثمرتا على مدى سنوات في بناء قدرات تصدير ومسارات بديلة تقلل الاعتماد المباشر على هرمز. أما العراق فما زال الجزء الأكبر من منظومة صادراته الخارجية متركزاً في الجنوب.
وهذا يجعل قيمة كل مشروع عراقي جديد للأنابيب أو التخزين أو الموانئ أكبر من مجرد مشروع بنية تحتية. فهو في الواقع استثمار في الأمن المالي للدولة.
لماذا تعتبر الأزمة خطراً على موازنة العراق؟
يعتمد العراق بدرجة كبيرة جداً على عائدات النفط لتمويل نفقات الدولة. ولذلك فإن انخفاض الصادرات لا يضغط فقط على شركات النفط، بل ينتقل سريعاً إلى المالية العامة.
عندما تنخفض الكميات المباعة، تتراجع الإيرادات الدولارية التي تدخل الخزينة. وإذا استمر الانخفاض لفترة طويلة، يصبح تمويل الرواتب والمشاريع الحكومية والنفقات التشغيلية أكثر صعوبة، خصوصاً إذا تزامن ذلك مع ارتفاع كلفة الاستيراد أو ارتفاع أسعار الطاقة والسلع العالمية.
المشكلة الأخرى أن سعر النفط المرتفع عالمياً لا يعوض العراق بالضرورة عن فقدان الكميات. فإذا ارتفع سعر البرميل بسبب المخاطر الجيوسياسية، بينما انخفضت كمية النفط التي يستطيع العراق بيعها، فقد تكون النتيجة النهائية أقل فائدة للخزينة مما يبدو من حركة الأسعار في الأسواق العالمية.
وهذا يفسر لماذا لا تستطيع بغداد التعامل مع الأزمة باعتبارها مجرد فرصة لارتفاع أسعار النفط.
بغداد بدأت بالفعل في بناء مخرج من هرمز
اللافت أن الأزمة الحالية لم تبدأ من الصفر. فقد دفعت اضطرابات هرمز السابقة الحكومة العراقية إلى البحث عن طرق تصدير بديلة، وظهرت خلال الأشهر الماضية خطط لزيادة استخدام المسارات الشمالية والغربية.
كما بدأ العراق العمل على خط البصرة-حديثة الذي يمكن أن يوفر مستقبلاً منفذاً أكثر مرونة للخام المنتج في الجنوب. وتستهدف الخطة قدرة تصل إلى نحو 2.5 مليون برميل يومياً، ما يجعلها واحدة من أهم محاولات بغداد لتغيير خريطة صادراتها النفطية.
لكن الفارق بين الخطة والواقع كبير. العراق يحتاج إلى سنوات من الاستثمارات المتواصلة حتى يصبح قادراً على نقل نسبة كبيرة من إنتاج الجنوب بعيداً عن الخليج العربي. اقرأ أيضاً: مزيد من التفاصيل حول هرمز على وشك الفتح.. ما الذي يمنع عودة الملاحة إلى طبيعتها؟.
هل يستطيع العراق تعويض الصادرات المفقودة؟
على المدى القصير، تبدو قدرة العراق على التعويض الكامل محدودة. فالمنافذ البديلة الحالية لا تمتلك الطاقة الكافية لاستيعاب كامل الكميات التي كانت تخرج من الجنوب، بينما تحتاج المشاريع الجديدة إلى وقت حتى تدخل الخدمة.
وعلى المدى المتوسط، يمكن أن تتغير المعادلة إذا نجحت بغداد في توسيع خط كركوك-جيهان، وتسريع مشاريع الأنابيب الجديدة، وزيادة الطاقة التخزينية، وربط الحقول الجنوبية بمسارات تصدير أكثر تنوعاً.
لكن ذلك يتطلب أيضاً استقراراً أمنياً وسياسياً يسمح للشركات الأجنبية بالاستثمار والعمل لفترات طويلة. فخط أنابيب جديد لا يكون مفيداً اقتصادياً إذا ظلت المنطقة المحيطة به معرضة للاضطرابات أو الهجمات.
المشكلة ليست في النفط.. بل في الطريق الذي يسلكه
أظهرت أزمة هرمز للعراق نقطة ضعف لا يمكن حلها بزيادة الإنتاج وحدها. فالبلاد تملك موارد نفطية ضخمة وحقولاً قادرة على إنتاج ملايين البراميل، لكن جزءاً كبيراً من هذه القدرة يظل مرتبطاً بمسار تصدير واحد شديد الحساسية للتطورات الإقليمية.
ولهذا أصبحت مشاريع الأنابيب والموانئ والتخزين جزءاً من السياسة الاقتصادية العراقية، وليس مجرد مشاريع لقطاع النفط. وكلما طال الاعتماد على منفذ واحد، بقيت إيرادات الدولة معرضة لصدمة لا علاقة لها مباشرة بقدرة الحقول على الإنتاج.
وفي الوقت الحالي، يبقى السؤال الأكثر إلحاحاً بالنسبة إلى بغداد ليس كم برميل تستطيع إنتاجه، وإنما كم برميل تستطيع إخراجه بأمان إلى السوق. هذه الفجوة هي التي تحدد حجم الخسارة التي سيتحملها الاقتصاد العراقي إذا استمرت قيود الملاحة في مضيق هرمز.
سجّل الدخول للمشاركة في التعليقات. يتم استخدام بيانات حسابك تلقائياً.