انكمش الاقتصاد السعودي خلال الربع الثاني من عام 2026 بنسبة 4.8% على أساس سنوي، وفق التقديرات الأولية للهيئة العامة للإحصاء، في أكبر تراجع منذ تداعيات جائحة كورونا، مع انخفاض حاد في النشاط النفطي مقابل استمرار نمو الأنشطة غير النفطية.
وتكشف الأرقام عن تباين واضح في أداء الاقتصاد السعودي خلال الربع الثاني، إذ تراجع النشاط النفطي بنسبة 24.7%، بينما سجلت الأنشطة غير النفطية نمواً محدوداً، في وقت جاءت فيه أسعار النفط المرتفعة لتوفر دعماً مهماً لإيرادات شركة أرامكو والمالية العامة للمملكة.
تراجع حاد في النشاط النفطي
كان القطاع النفطي العامل الرئيسي وراء الانكماش المسجل في الناتج المحلي الإجمالي خلال الربع الثاني. وانخفضت الأنشطة النفطية، التي تشمل استخراج النفط والغاز الطبيعي وأنشطة التكرير، بنسبة 24.7% مقارنة بالربع الثاني من 2025.
ويأتي هذا الانخفاض في وقت تراجعت فيه مستويات إنتاج الهيدروكربونات السعودية، بينما شهدت سوق النفط العالمية ارتفاعاً كبيراً في الأسعار خلال الفترة نفسها نتيجة التوترات الجيوسياسية واضطرابات حركة الملاحة في المنطقة.
وبذلك واجه الاقتصاد السعودي وضعاً غير معتاد: انخفاض حجم النشاط النفطي من جهة، وارتفاع قيمة النفط المباع من جهة أخرى.
الاقتصاد غير النفطي يحافظ على النمو
في المقابل، واصلت الأنشطة غير النفطية النمو خلال الربع الثاني، وإن بوتيرة محدودة بلغت نحو 0.6% على أساس سنوي.
وتكتسب هذه النتيجة أهمية خاصة في ظل استمرار المملكة في تنفيذ برنامج تنويع الاقتصاد وتقليل الاعتماد على إيرادات النفط. فالاستثمارات الحكومية والمشروعات الكبرى والإنفاق المرتبط ببرامج رؤية 2030 أصبحت تشكل جزءاً مهماً من النشاط الاقتصادي خارج قطاع الطاقة.
لكن النمو غير النفطي المحدود لم يكن كافياً لتعويض الانخفاض الكبير في النشاط النفطي، ما أدى في النهاية إلى تسجيل الاقتصاد ككل انكماشاً سنوياً بنسبة 4.8% خلال الربع الثاني.
أرامكو تسجل نتيجة مختلفة عن الاقتصاد
في الوقت الذي انكمش فيه الاقتصاد السعودي، قدمت نتائج أرامكو خلال الربع الثاني صورة مختلفة تماماً. فقد أعلنت الشركة ارتفاع صافي دخلها المعدل بنسبة 33% إلى 33.4 مليار دولار، مدفوعاً بصورة أساسية بارتفاع أسعار النفط وتحسن هوامش أعمال التكرير.
وارتفع متوسط سعر النفط الخام المحقق لدى أرامكو إلى 108.1 دولار للبرميل خلال الربع الثاني، مقارنة مع 76.9 دولار في الربع الأول و66.7 دولار قبل عام، بحسب بيانات الشركة التي أوردتها رويترز.
وساعد ارتفاع الأسعار على تعويض جزء كبير من أثر انخفاض أحجام الإنتاج والمبيعات، ما جعل أداء أكبر شركة نفط في المملكة أكثر قوة من أداء الاقتصاد الكلي خلال الفترة نفسها. اقرأ أيضاً: العملية للطاقة الكويتية تسجل نمواً قوياً في نتائج النصف الأول من 2026.
إيرادات أرامكو توفر دعماً للمالية السعودية
لا يقتصر أثر نتائج أرامكو على الشركة نفسها، إذ تمثل المدفوعات التي تقدمها إلى الحكومة السعودية مصدراً رئيسياً للإيرادات العامة.
وخلال النصف الأول من 2026، دفعت أرامكو نحو 25.3 مليار دولار من ضرائب الدخل، و26.7 مليار دولار من الإتاوات، إضافة إلى 35.7 مليار دولار من توزيعات الأرباح للحكومة، وفق بياناتها المرحلية التي نقلتها رويترز.
ويعني ذلك أن ارتفاع أسعار النفط خلال الفترة ساعد على تخفيف جزء من الضغط الناتج عن انخفاض الإنتاج النفطي، كما وفر للمملكة مورداً مالياً مهماً في وقت تواصل فيه الإنفاق على مشروعاتها الاستثمارية الكبرى.
الصدمة النفطية لا تعني توقف مسار التنويع
تكشف أرقام الربع الثاني عن نقطة مهمة في الاقتصاد السعودي: تراجع الناتج المحلي لا يعكس بالضرورة ضعفاً متزامناً في جميع القطاعات.
فبينما تعرض النشاط النفطي لانكماش حاد، واصلت قطاعات الاقتصاد غير النفطي العمل والنمو، ما يشير إلى أن عملية التنويع الاقتصادي لم تتوقف رغم الصدمات التي تعرضت لها المملكة والمنطقة.
وكان الاقتصاد السعودي قد سجل نمواً حقيقياً بنسبة 3.0% في الربع الأول من 2026، مع نمو الأنشطة النفطية وغير النفطية بنسبة 2.9% لكل منهما. كما سجلت أنشطة المال والتأمين وخدمات الأعمال نمواً بلغ 5.4% خلال الربع الأول، وهو ما يوضح التباين الكبير بين الربعين الأول والثاني. اقرأ أيضاً: صادرات النفط العراقي تهبط بأكثر من….
أسعار النفط أصبحت عاملاً حاسماً للمرحلة المقبلة
وتزداد أهمية أسعار النفط بالنسبة للاقتصاد السعودي في المرحلة الحالية، ليس فقط بسبب مساهمة القطاع النفطي في الناتج المحلي، وإنما أيضاً بسبب دوره في تمويل الإنفاق الحكومي والاستثمارات المرتبطة برؤية 2030.
وتشير قراءة الربع الثاني إلى أن ارتفاع الأسعار يمكن أن يوفر دعماً مهماً للإيرادات حتى عندما تتراجع أحجام الإنتاج، لكن استمرار الاعتماد على هذا التعويض يجعل المالية العامة حساسة لأي انخفاض كبير ومستمر في أسعار الخام.
وفي المقابل، فإن استمرار نمو القطاعات غير النفطية سيكون عاملاً أساسياً في قدرة الاقتصاد السعودي على تقليص أثر دورات النفط خلال السنوات المقبلة، خصوصاً مع استمرار الاستثمار في السياحة والخدمات واللوجستيات والصناعة والتقنية.
النصف الثاني يختبر قدرة الاقتصاد على التعافي
يدخل الاقتصاد السعودي النصف الثاني من العام أمام معادلة أكثر تعقيداً: إنتاج نفطي أقل من السابق، وأسعار خام مرتفعة، وإنفاق استثماري مستمر، وقطاع غير نفطي مطالب بالحفاظ على النمو رغم الظروف الإقليمية.
وستكون قدرة الأنشطة غير النفطية على تسريع نموها، إلى جانب مسار الإنتاج وأسعار النفط، من أهم العوامل التي ستحدد ما إذا كان الانكماش المسجل في الربع الثاني يمثل صدمة مؤقتة أم بداية فترة أطول من ضعف النمو.
أما في المدى القريب، فتمنح أسعار النفط المرتفعة وأداء أرامكو المملكة هامشاً مالياً مهماً لامتصاص جزء من أثر الانكماش، بينما يبقى أداء الاقتصاد غير النفطي هو المؤشر الأهم على مدى تقدم عملية التحول الاقتصادي السعودي بعيداً عن دورة النفط.
سجّل الدخول للمشاركة في التعليقات. يتم استخدام بيانات حسابك تلقائياً.