يشهد سوق النفط العالمي واحدة من أخطر مراحله منذ اندلاع الحرب بين الولايات المتحدة وإيران أواخر فبراير الماضي، مع تصاعد المخاطر على ممرين استراتيجيين للطاقة في آنٍ واحد: مضيق هرمز الذي يخضع عملياً لسيطرة الحرس الثوري الإيراني، ومضيق باب المندب الذي باتت جماعة الحوثي تهدد فيه ناقلات النفط السعودية مباشرة. هذا التزامن غير المسبوق بين الجبهتين يفتح الباب أمام تساؤلات جدية حول قدرة الاقتصاد العالمي على امتصاص صدمة طاقة قد تكون الأعنف منذ عقود.
مضيقان تحت التهديد في آنٍ واحد
لطالما شكّل مضيق هرمز، الذي يمر عبره نحو خُمس إمدادات النفط والغاز المسال العالمية، الهاجس الأكبر للأسواق منذ اندلاع الحرب. وبحسب منصة الاستخبارات البحرية “كبلر”، تراجعت حركة العبور عبر المضيق إلى نحو 41 عملية عبور موثقة يومياً فقط، مقارنة بنحو 130 عملية عبور قبل الحرب، أي انخفاض يتجاوز 68% من الحركة الملاحية الطبيعية.
غير أن التطور الأخطر هذا الأسبوع لا يتعلق بهرمز وحده، بل بفتح جماعة الحوثي المدعومة من إيران لجبهة موازية عبر التهديد المباشر لناقلات النفط السعودية في البحر الأحمر وإعلان حصار بحري على المملكة. وهذا يعني أن الممرين الرئيسيين لخروج النفط الخليجي إلى الأسواق العالمية باتا مهددين في وقت واحد، وهو سيناريو لم تشهده الأسواق منذ بداية الأزمة.
خط الأنابيب السعودي: شريان الحياة الذي بات مهدداً هو الآخر
منذ الأسابيع الأولى للحرب، اعتمدت السعودية على خط أنابيب “الشرق-الغرب” (بترولاين)، الذي يربط حقول النفط الشرقية بميناء ينبع على البحر الأحمر، كخط حياة رئيسي لتجاوز مضيق هرمز. وبحسب مصادر مطلعة على القطاع، وصل الخط إلى طاقته التصميمية القصوى البالغة 7 ملايين برميل يومياً، بينها نحو 5 ملايين برميل مخصصة للتصدير عبر ميناء ينبع، والباقي لتغذية مصافي التكرير على الساحل الغربي للمملكة.
| المسار | الطاقة القصوى | الوضع الحالي |
|---|---|---|
| مضيق هرمز (الطبيعي) | نحو 15-20 مليون برميل/يوم | شبه مغلق، 41 عبوراً فقط يومياً |
| خط بترولاين (الشرق-الغرب) عبر ينبع | 7 ملايين برميل/يوم | يعمل بكامل طاقته |
| مضيق باب المندب (منفذ ينبع) | يعتمد عليه لتصدير جزء من إنتاج ينبع | مهدد حالياً بحصار حوثي معلن |
المشكلة الجوهرية أن وكالة الطاقة الدولية نفسها حذّرت سابقاً من أن هذا المسار البديل لم يُختبر على نطاق واسع، وأن السعودية والإمارات هما الدولتان الوحيدتان اللتان تملكان خطوط أنابيب تشغيلية قادرة على إعادة توجيه جزء من التدفقات التي تمر عادة عبر هرمز. وإذا ما تحقق تهديد الحوثيين الفعلي لباب المندب، فإن هذا يعني أن حتى “طريق النجاة” السعودي عبر البحر الأحمر يصبح عرضة للخطر، ما يهدد بإغلاق كلا المنفذين الرئيسيين للنفط الخليجي في وقت واحد.
كيف يقرأ كبار المحللين هذا التصعيد؟
سوق الطاقة تواجه الآن مخاوف تتعلق بمضيقين، إذ يبدو أن مضيق باب المندب قد يلحق بمضيق هرمز ويصبح بؤرة توتر، في وقت يراقب فيه المتعاملون عن كثب حركة الشحن في البحر الأحمر.
بحسب تيم ووترر، كبير محللي السوق في شركة KCM Trade.
أما بنك غولدمان ساكس، فكان قد وضع سابقاً ثلاثة سيناريوهات لمسار أسعار خام برنت مرتبطة بمدة تعطل الملاحة عبر هرمز:
| السيناريو | الافتراض | الذروة المتوقعة | المستوى بحلول الربع الرابع 2026 |
|---|---|---|---|
| الأساسي | تعطل الملاحة نحو 6 أسابيع | نحو 115 دولاراً | 80 دولاراً |
| السلبي | تعطل يمتد 10 أسابيع | 140 دولاراً | 100 دولار |
| الأكثر سلبية | تعطل ممتد مع أضرار بالبنية التحتية | 160 دولاراً | 115 دولاراً |
وبما أن الحرب دخلت بالفعل شهرها الخامس، وأن التصعيد الأخير طال جبهة جديدة بالكامل (باب المندب)، فإن الأسواق باتت أقرب إلى السيناريوهات الأكثر تشاؤماً من فرضية “الحل السريع” التي راهن عليها كثير من المحللين في الأسابيع الأولى للنزاع.
فاتورة اقتصادية عالمية تتضخم شهراً بعد آخر
خفض صندوق النقد الدولي، في تحديثه الصادر هذا الشهر، توقعاته للنمو العالمي في 2026 إلى 3% فقط، في تراجع ثانٍ خلال العام نفسه، معللاً ذلك بالتداعيات المستمرة لصدمة الطاقة الناجمة عن الحرب. كما رفع الصندوق توقعاته للتضخم العالمي إلى قرابة 4.7% هذا العام. اقرأ أيضاً: صادرات النفط السعودي تتراجع في يوليو.. تهديد مزدوج على هرمز والبحر الأحمر معاً.
الأثر الأشد وطأة تركّز، بحسب الصندوق، على منطقة الشرق الأوسط وآسيا الوسطى، حيث خُفضت توقعات النمو الإقليمي إلى 1.9% فقط (خفض بمقدار نقطتين مئويتين كاملتين)، مع توقعات بانكماش اقتصادات إيران والعراق والكويت والبحرين وقطر خلال العام الجاري.
- منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية (OECD) خفضت توقعاتها للنمو العالمي إلى 2.9% في 2026، وحذرت من ارتفاع التضخم الأمريكي إلى 4.2% في حال استمرار الاضطراب
- منظمة التجارة العالمية قدّرت أن استمرار ارتفاع أسعار الطاقة قد يقتطع نحو 0.3 نقطة مئوية إضافية من نمو الناتج المحلي الإجمالي العالمي لعام 2026
- تقديرات سابقة لغولدمان ساكس أشارت إلى أن استمرار الحرب حتى نهاية إبريل وحده كان يمكن أن يقلّص اقتصادي الكويت وقطر بنسبة تصل إلى 14%، والسعودية والإمارات بنحو 3% و5% على التوالي، في أحد السيناريوهات الأكثر حدة
ما الذي ينتظر الأسواق الخليجية تحديداً؟
الأسواق الخليجية تجد نفسها اليوم أمام معادلة مزدوجة: فمن جهة، ترتفع عائدات صادرات النفط مع صعود الأسعار إلى ذروة الأسابيع الستة الأخيرة عند 96 دولاراً لبرميل برنت؛ ومن جهة أخرى، فإن التهديد المباشر لناقلات النفط السعودية والحصار المعلن من الحوثيين يضعان استقرار التصدير ذاته موضع شك، ما قد يحدّ من قدرة المنتجين الخليجيين على الاستفادة الكاملة من ارتفاع الأسعار إذا تعطلت فعلياً قدرتهم على الشحن.
كما أن ارتفاع علاوة المخاطر الجيوسياسية ينعكس تقليدياً على تكاليف التأمين البحري وأقساط الشحن في الخليج، وهو عامل إضافي يضغط على هوامش الربحية حتى في ظل الأسعار المرتفعة للخام. وتبقى العين على ما إذا كانت الجهود الدبلوماسية، بما فيها مقترح هدنة لعشرة أيام كان قد طُرح سابقاً بين الجانبين الأمريكي والإيراني، قابلة لإحياء مسار التهدئة قبل أن يتسع نطاق الأضرار إلى ما هو أبعد من الطاقة، ليطال الشحن والتأمين والتجارة الخليجية بشكل عام.