بعد أشهر من إدارة حرب مباشرة ضد إيران ساهمت في دفع أسعار النفط العالمية إلى الارتفاع، وجد الرئيس الأمريكي دونالد ترامب نفسه في مطلع أغسطس يهاجم الجهة التي استفادت أكثر من غيرها من هذا الارتفاع: شركات النفط الأمريكية الكبرى نفسها. فمن المكتب البيضاوي، وصف ترامب أرباح هذه الشركات بأنها “طائلة”، وطالبها علناً بخفض أسعار البنزين للمستهلك الأمريكي، في تحول لافت بالخطاب يستحق قراءة متأنية لدوافعه السياسية والاقتصادية.
من “الحرب من أجل الطاقة” إلى “لست سعيداً بالأرباح”
جاءت تصريحات ترامب عقب إعلان شركتي إكسون موبيل وشيفرون عن أرباح قوية للربع الأخير، مستفيدتين بشكل مباشر من اضطراب أسواق الطاقة الذي أعقب الحرب الأمريكية-الإيرانية. ووصف ترامب الوضع بالقول إن هذه الشركات “تجني أموالاً طائلة” بسبب نقص الإمدادات، مضيفاً أنه “غير سعيد” بذلك، ومطالباً إياها بإعادة جزء من هذه الأرباح إلى الجمهور عبر خفض أسعار الوقود.
ولم يكتفِ الرئيس الأمريكي بالانتقاد العام، بل وجّه سهامه مباشرة إلى الرئيس التنفيذي لشركة شيفرون مايك ويرث، منتقداً إياه لعدم إشادته بدور إدارته في دعم قطاع الطاقة الأمريكي، في مؤشر على أن الخلاف تجاوز الجانب الاقتصادي البحت إلى بُعد شخصي وسياسي مباشر بين البيت الأبيض وقيادات الصناعة. اقرأ أيضاً: 46 شركة إماراتية تكشف نتائج النصف الأول هذا الأسبوع.. دبي للاستثمار والعربية للطيران في الموعد.
فجوة الأسعار التي تُحرج البيت الأبيض
يكمن جوهر الحرج السياسي في فجوة واضحة بين اتجاهين متعاكسين: فبينما تراجع خام برنت أكثر من 4% في مطلع أغسطس ليقترب من 84 دولاراً للبرميل، مدفوعاً بآمال التوصل إلى تسوية دبلوماسية بشأن مضيق هرمز، ظلت أسعار البنزين في محطات الوقود الأمريكية مستقرة فوق حاجز 4 دولارات للجالون، مقارنة بنحو 3 دولارات فقط قبل اندلاع الصراع مطلع العام. وهذه الفجوة بين تراجع أسعار الخام واستمرار ارتفاع أسعار التجزئة هي ما يغذي الاتهامات الموجهة لشركات النفط بالتباطؤ المتعمد في تمرير الانخفاض إلى المستهلك.
حسابات الانتخابات النصفية
يصعب فصل توقيت هذا الهجوم عن السياق السياسي الداخلي، إذ تقترب الولايات المتحدة من الانتخابات النصفية، وتُعد أسعار الوقود من أكثر المؤشرات الاقتصادية حساسية لدى الناخب الأمريكي وتأثيراً مباشراً على شعبية الإدارات الحاكمة. ومن هذه الزاوية، يبدو أن ترامب يسعى لإعادة تأطير روايته حول الحرب مع إيران: فبدلاً من أن تُقرأ الحرب كسبب لارتفاع الأسعار الذي يتحمله المستهلك، يحاول تحويل الغضب الشعبي نحو “جشع” شركات النفط الكبرى، في مسعى لحماية نفسه من تبعات سياسية قد تنعكس على صناديق الاقتراع.
ووصفت جماعات مدافعة عن المناخ الأرباح الفصلية الضخمة لكبرى شركات النفط بأنها “فاحشة”، منتقدة استفادتها من اضطراب سوق الطاقة الناجم عن الحرب.
موقف محرج لصناعة النفط الأمريكية
يضع هذا الهجوم صناعة النفط الأمريكية، التي دعمت تقليدياً سياسات ترامب المؤيدة لزيادة الإنتاج المحلي وتخفيف القيود التنظيمية، في موقف حرج غير مسبوق. فالشركات التي استفادت من بيئة تنظيمية أكثر تساهلاً في عهد الإدارة الحالية، تجد نفسها الآن هدفاً مباشراً لانتقاداته العلنية، رغم أن ارتفاع أرباحها جاء في جزء كبير منه نتيجة مباشرة لسياسات إدارته الخارجية تجاه إيران ومضيق هرمز، وليس بفعل قرارات داخلية اتخذتها الشركات نفسها.
- خام برنت يتراجع أكثر من 4% إلى نحو 84 دولاراً وسط آمال دبلوماسية
- أسعار البنزين الأمريكية تظل فوق 4 دولارات للجالون مقابل 3 دولارات قبل الحرب
- ترامب ينتقد الرئيس التنفيذي لشيفرون مايك ويرث شخصياً
- جماعات مناخية تصف أرباح شركات النفط بـ”الفاحشة”
- التوقيت يتزامن مع اقتراب الانتخابات النصفية الأمريكية
ماذا بعد؟
يرى محللون أن احتمال إقدام الإدارة الأمريكية على خطوات تنظيمية فعلية، كفرض ضريبة استثنائية على “الأرباح غير المتوقعة” لشركات النفط أسوة بتجارب أوروبية سابقة، يظل مستبعداً في المدى القريب نظراً لتناقضه مع الأجندة الاقتصادية العامة لإدارة ترامب الداعمة لقطاع الطاقة. غير أن استمرار الضغط الخطابي العلني قد يكفي بحد ذاته لدفع الشركات الكبرى إلى تحركات تسويقية أو تسعيرية محدودة لتخفيف حدة الانتقادات، دون أن يعني ذلك تحولاً جوهرياً في هوامش أرباحها الفعلية. وفي النهاية، يبقى المؤشر الأكثر دلالة هو ما إذا كانت فجوة الأسعار بين الخام والبنزين ستضيق فعلياً خلال الأسابيع المقبلة، أم أن الأمر سيقتصر على معركة خطابية تخدم أغراضاً سياسية أكثر منها تغييراً اقتصادياً حقيقياً.
سجّل الدخول للمشاركة في التعليقات. يتم استخدام بيانات حسابك تلقائياً.