اقتصاد الشرق الأوسط

طائرة مسيّرة تضرب مصفاة الزاوية.. هل تواجه إمدادات النفط الليبية خطراً جديداً؟

ضربة جديدة تصيب منشأة نفطية حساسة في ليبيا لم يكن اصطدام طائرة مسيرة بخزان للنافتا غير المعالجة داخل مصفاة الزاوية…

طائرة مسيّرة تضرب مصفاة الزاوية.. هل تواجه إمدادات النفط الليبية خطراً جديداً؟
حجم النص

ضربة جديدة تصيب منشأة نفطية حساسة في ليبيا

لم يكن اصطدام طائرة مسيرة بخزان للنافتا غير المعالجة داخل مصفاة الزاوية في ليبيا مجرد حادث أمني عابر بالنسبة إلى قطاع النفط في البلاد. فالطائرة أحدثت انفجاراً في جدار الخزان وتسببت في تسرب، قبل أن تتمكن فرق الشركة من احتواء الموقف وإيقاف التسرب، فيما أكدت شركة الزاوية لتكرير النفط عدم وقوع حريق أو إصابات بين العاملين.

لكن أهمية الحادث تتجاوز الأضرار المباشرة. فالمصفاة الواقعة على الساحل الغربي لليبيا تعد أكبر مصفاة عاملة في البلاد، بطاقة تكريرية تبلغ نحو 120 ألف برميل يومياً، كما ترتبط بمنظومة نفطية تمتد إلى حقل الشرارة العملاق. ولذلك فإن تعرض منشأة بهذا الحجم لضربة مسيرة يسلط الضوء مجدداً على نقطة ضعف مزمنة في الاقتصاد الليبي: اعتماد جزء كبير من تدفقات النفط والوقود على بنية تحتية تقع في بيئة أمنية هشة.

وقالت شركة الزاوية إن سلامة العاملين والمنشآت واستمرارية الإنتاج تمثل أولوية قصوى، داعية جميع الأطراف إلى إبعاد مرافقها عن الاشتباكات والظواهر المسلحة. ولم تحدد الشركة في بيانها الجهة التي تقف وراء الطائرة المسيرة.

لماذا تعتبر مصفاة الزاوية مهمة للاقتصاد الليبي؟

تقع المصفاة على بعد نحو 40 كيلومتراً غرب طرابلس، وتملك قدرة تكريرية تصل إلى 120 ألف برميل يومياً. وهي ليست منشأة تكرير معزولة عن بقية قطاع الطاقة، بل جزء من شبكة تشمل استقبال الخام وتكريره وتخزينه وتزويد السوق المحلية بالمنتجات النفطية.

وتكمن أهميتها الاقتصادية في أن منتجات المصفاة تصل إلى السوق المحلية، بما في ذلك البنزين والديزل وغاز الطهي. وعندما تتوقف المنشأة أو تتعرض قدرتها التشغيلية للخطر، فإن التأثير المحتمل لا يقتصر على صادرات الخام، بل يمكن أن يمتد إلى سلسلة إمدادات الوقود التي تعتمد عليها مناطق واسعة من غرب ليبيا.

وقد ظهر ذلك بوضوح في مايو الماضي، عندما اضطرت الشركة إلى وقف عمليات المصفاة بصورة احترازية بعد اندلاع اشتباكات بالقرب من المجمع النفطي. وأعلنت الشركة لاحقاً استئناف وحدتي التكرير لضمان استمرار تدفق البنزين والديزل وغاز الطهي إلى السوق المحلية، كما أعيد فتح الميناء لاستقبال الناقلات وتحميل الخام.

وتؤكد هذه السابقة أن الخطر الذي تواجهه الزاوية ليس جديداً، لكن طبيعة حادث اليوم مختلفة. ففي مايو كان الخطر ناتجاً عن اشتباكات مسلحة محيطة بالمنشأة، أما الآن فقد وصلت طائرة مسيرة إلى خزان داخل المصفاة نفسها.

الفرق بين توقف المصفاة وتضرر خزان واحد

من المهم عدم المبالغة في تقدير أثر الحادث الحالي. فالبيانات المتاحة حتى الآن لا تشير إلى توقف كامل للمصفاة، ولم تعلن الشركة عن خسارة كبيرة في طاقتها التكريرية أو عن وقف الإنتاج. كما تم احتواء التسرب ولم يسجل حريق أو إصابات.

وهذا يعني أن التأثير الفوري يبدو محدوداً مقارنة بسيناريو إصابة وحدات التكرير الرئيسية أو خطوط التغذية أو مرافق التخزين على نطاق واسع.

لكن الخطر الاقتصادي يكمن في احتمال تكرار الحوادث أو انتقال الاستهداف من خزان منفرد إلى منشآت أكثر حساسية. فالمصفاة لا تعتمد على مكون واحد؛ بل تعمل من خلال منظومة مترابطة من الخزانات والأنابيب ووحدات المعالجة ومحطات الضخ والميناء.

إصابة أحد هذه المكونات في المكان الخطأ وفي الوقت الخطأ يمكن أن تتسبب في توقف أكبر بكثير من الضرر المادي الذي يبدو في البداية.

الزاوية مرتبطة بحقل الشرارة أكثر مما يبدو

تكتسب مصفاة الزاوية أهمية إضافية بسبب ارتباطها بمنظومة حقل الشرارة، أحد أكبر حقول النفط في ليبيا بطاقة إنتاجية تصل إلى نحو 300 ألف برميل يومياً.

وتوضح هذه العلاقة أن أمن الزاوية لا يتعلق فقط بإنتاج الوقود للسوق المحلية. فالمنطقة تضم أجزاء من سلسلة تمتد من إنتاج الخام في الجنوب إلى نقله وتخزينه وتكريره وتصديره.

وقد كشفت حادثة أخرى في مارس الماضي مدى أهمية هذه الروابط. فعندما وقع حريق في خط تابع لمنظومة الشرارة، تمكنت المؤسسة الوطنية للنفط من إعادة توجيه التدفقات عبر مسارات بديلة، بينها خط الحمادة باتجاه خزانات في الزاوية، للمحافظة على استمرار الإنتاج وتقليل الخسائر.

وهذا النوع من الترابط يمنح المنظومة مرونة في بعض الحالات، لكنه يعني في الوقت نفسه أن تعطل منشأة رئيسية يمكن أن يخلق آثاراً تتجاوز حدودها الجغرافية.

ليبيا تملك النفط.. لكنها لا تملك هامشاً كبيراً للخطأ

المشكلة الأساسية في قطاع النفط الليبي ليست نقص الموارد. ليبيا تملك أكبر احتياطيات نفطية مؤكدة في إفريقيا، كما استطاعت خلال السنوات الأخيرة رفع الإنتاج مقارنة بالمستويات التي سجلتها خلال مراحل سابقة من الاضطرابات.

المشكلة تكمن في قدرة الدولة على حماية البنية التي تحول هذه الاحتياطيات إلى إيرادات وإمدادات فعلية.

فالإنتاج النفطي يحتاج إلى حقول عاملة، وخطوط أنابيب، ومحطات ضخ، وخزانات، وموانئ، ومصافي، وشبكة توزيع. وإذا تعرضت إحدى الحلقات الأساسية للتوقف، يمكن أن تتأثر بقية المنظومة حتى لو بقي الخام في باطن الأرض دون أي مشكلة فنية. اقرأ أيضاً: هجوم حوثي يستهدف منشأة لأرامكو في جازان.. حريق يُخمد دون خسائر بشرية.

ولهذا فإن حماية المنشآت النفطية أصبحت جزءاً من القدرة الإنتاجية الفعلية لليبيا، وليست قضية أمنية منفصلة عن الاقتصاد.

تجربة مايو تكشف حجم المخاطر

قبل أقل من ثلاثة أشهر، اضطرت مصفاة الزاوية إلى وقف عملياتها بعد وصول القتال إلى محيط المجمع النفطي. وقالت المؤسسة الوطنية للنفط حينها إن مقذوفات من عيارات ثقيلة سقطت في مناطق مختلفة من المجمع، بينما جرى إجلاء العاملين وإخلاء الناقلات من الميناء كإجراء احترازي.

المصفاة عادت إلى العمل بعد نحو يومين، ولم تتعرض إمدادات الوقود إلى طرابلس والمناطق المحيطة لانقطاع كبير. لكن الحادث كشف مدى قرب النشاط النفطي من خطوط التماس الأمنية.

وفي مايو أيضاً، حذرت بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا من أن استمرار القتال في الزاوية يمكن أن يهدد البنية التحتية الاستراتيجية ويخلق عواقب اقتصادية وإنسانية واسعة. اقرأ أيضاً: تأخيرات مشاريع الغاز الطبيعي المسال في….

اللافت الآن أن المنشأة نفسها تواجه نوعاً مختلفاً من المخاطر بعد فترة قصيرة نسبياً. وهذا يجعل السؤال أكبر من حادث اليوم: هل أصبحت حماية منشآت الطاقة في غرب ليبيا قادرة على مواكبة طبيعة التهديدات الجديدة؟

الطائرات المسيرة تغير معادلة حماية منشآت الطاقة

تتمتع الطائرات المسيرة بميزة تجعلها مختلفة عن القصف التقليدي. فهي أصغر وأرخص وأسهل نسبياً في التشغيل، ويمكن استخدامها لاستهداف نقطة محددة داخل منشأة كبيرة دون الحاجة إلى هجوم واسع النطاق.

بالنسبة إلى منشأة نفطية، فإن هذا يخلق معادلة اقتصادية غير متوازنة: تكلفة الطائرة قد تكون محدودة مقارنة بقيمة الخزان أو الوحدة الصناعية التي يمكن أن تصيبها.

ولا يعني ذلك أن ضربة واحدة قادرة على تعطيل مصفاة بحجم الزاوية. لكن تكرار الهجمات أو استهداف نقاط متعددة يمكن أن يرفع تكاليف الحماية والتأمين والصيانة، ويجبر المشغل على اتخاذ إجراءات احترازية قد تقلل ساعات التشغيل أو تؤخر عمليات النقل.

وهذا هو الجانب الذي ينبغي أن يراقبه سوق النفط الليبي خلال الفترة المقبلة أكثر من قيمة الأضرار المادية للحادث الحالي.

الخطر الأكبر قد يكون في الوقود المحلي

إذا تعرضت المصفاة لتوقف طويل، فإن التأثير الأول الذي قد يشعر به الاقتصاد الليبي ليس بالضرورة انخفاض صادرات الخام. فقد يكون الضغط الأكبر على سوق المنتجات النفطية المحلية.

كانت الشركة قد أكدت عند استئناف العمليات في مايو أن تشغيل وحدتي التكرير ضروري لضمان استمرار تدفق البنزين والديزل وغاز الطهي إلى السوق. وهذا يكشف الوظيفة الأساسية للمصفاة بالنسبة إلى المستهلك الليبي.

أي توقف طويل قد يدفع السلطات إلى زيادة الاعتماد على المخزونات أو استيراد كميات إضافية من المنتجات النفطية، ما يعني ارتفاع تكاليف النقل والتأمين والشراء في وقت تواجه فيه المالية العامة أصلاً ضغوطاً كبيرة.

كما أن نقص الوقود في منطقة مكتظة بالسكان يمكن أن يتحول سريعاً إلى مشكلة اجتماعية واقتصادية، خصوصاً في بلد يعتمد فيه النقل البري بصورة كبيرة على المنتجات النفطية.

إعادة تشغيل رأس لانوف قد تمنح ليبيا هامشاً إضافياً

في المقابل، تعمل ليبيا على زيادة قدرتها التكريرية. فقد أعلنت المؤسسة الوطنية للنفط في مايو أنها تستهدف إعادة تشغيل مصفاة رأس لانوف خلال فترة تتراوح بين ستة و12 شهراً، بعد سنوات من التوقف.

وتبلغ الطاقة التصميمية لرأس لانوف نحو 220 ألف برميل يومياً، أي أكبر بكثير من قدرة مصفاة الزاوية. وتستهدف الخطة بدء التشغيل عند نحو 200 ألف برميل يومياً قبل الوصول إلى الطاقة الكاملة، على أن يوجه جزء كبير من الإنتاج إلى السوق المحلية.

إذا تحقق هذا الهدف، فسيمنح ليبيا هامشاً أكبر في مواجهة أي توقف مستقبلي لمصفاة الزاوية، كما سيقلل من اعتماد سوق الوقود المحلية على منشأة واحدة.

لكن إعادة تشغيل رأس لانوف ليست حلاً فورياً للحادث الحالي. فالمشروع يحتاج إلى أعمال صيانة وتجهيز وتشغيل، ولذلك ستظل الزاوية خلال الفترة المقبلة واحدة من أهم نقاط الضعف في منظومة الوقود الليبية.

منشآت الطاقة الليبية تواجه مشكلة تتجاوز الأمن

هناك عامل آخر يجعل حماية الزاوية أكثر تعقيداً. فالمصفاة تعمل داخل بيئة سياسية وأمنية منقسمة منذ سنوات، بينما تتداخل في غرب ليبيا مصالح الدولة والجماعات المسلحة وشبكات التجارة غير الرسمية. اقرأ أيضاً: مزيد من التفاصيل حول تركيا تحاصر مخاطر البحر الأسود.. هل يتعرض النفط والتجارة لصدام جديد؟.

وفي مايو، أشارت تقارير إلى أن مدينة الزاوية نفسها تمثل نقطة مهمة في تجارة الوقود المدعوم والسلع عبر الحدود مع تونس، وهو ما يجعل السيطرة على طرق النقل والمنشآت والمخازن ذات أهمية تتجاوز النشاط الصناعي التقليدي.

وبالتالي فإن تأمين المصفاة لا يمكن اختزاله في زيادة الحراسة حول الأسوار. المطلوب حماية سلسلة كاملة تشمل خطوط الأنابيب، والميناء، والخزانات، وطرق نقل المنتجات، والمناطق المحيطة بالمنشأة.

ماذا يعني الحادث لسوق النفط؟

حتى الآن، لا توجد مؤشرات كافية للقول إن الحادث سيؤدي إلى فقدان كبير في إنتاج النفط الليبي أو صادرات الخام. عدم وقوع حريق واحتواء التسرب واستمرار العمليات، وفق المعلومات المتاحة، عوامل تحد من التأثير الفوري.

لكن السوق يراقب شيئاً آخر: هل يبقى الحادث معزولاً، أم يتحول إلى نمط من الاستهداف المتكرر لمنشآت الطاقة؟

الفرق بين السيناريوهين كبير. حادث منفرد يمكن التعامل معه من خلال الإصلاح والصيانة، بينما سلسلة من الهجمات قد ترفع مخاطر التشغيل وتؤثر في قرارات شركات النفط والتأمين والنقل، وتزيد تكلفة الحفاظ على الإنتاج.

وفي سوق نفط تتأثر فيه الأسعار بسرعة بأي تهديد جديد للإمدادات، حتى الكميات الصغيرة يمكن أن تصبح مهمة عندما تأتي في فترة تشهد اضطرابات واسعة في طرق الطاقة العالمية.

المؤشر الذي يستحق المتابعة بعد ضربة الزاوية

لن يكون عدد البراميل التي فقدتها ليبيا في حادث اليوم هو المؤشر الأهم. الأهم هو ما إذا كانت مصفاة الزاوية ستواصل تشغيل وحداتها بصورة طبيعية، وما إذا كانت عمليات استقبال الخام وشحنه ستستمر دون قيود، وما إذا كانت خطوط الإمداد المرتبطة بالمنشأة ستبقى آمنة. اقرأ أيضاً: دانة غاز: أرباح النصف الأول ترتفع 47%.

كما ستكون قدرة السلطات على منع تكرار استهداف المنشأة عاملاً حاسماً في تحديد التداعيات الاقتصادية. فإذا بقيت الأضرار محصورة في خزان النافتا وتمت معالجة الموقع سريعاً، فإن تأثير الحادث على السوق سيظل محدوداً. أما إذا تكرر استهداف منشآت الطاقة في الزاوية، فستتحول المسألة من حادث أمني إلى مشكلة مستمرة في أمن الإمدادات الليبية.

وهنا تكمن أهمية الحادث: ليبيا لا تحتاج إلى خسارة مئات الآلاف من البراميل دفعة واحدة حتى تتضرر منظومتها النفطية؛ يكفي أن تصبح المنشآت التي تحول النفط من مورد تحت الأرض إلى وقود وإيرادات أكثر عرضة للتوقف.

تحديث ذو صلة: تسرب نفطي ضخم يصل سواحل عُمان.. ناقلة روسية تهدد 40 كيلومتراً من الساحل.

مشاركة المقال
كاتب في WorldIMN

كاتب ومحرر صحفي متخصص في الأخبار العامة والاقتصادية والشؤون الدولية كاتب ومحرر صحفي يختص بتغطية الأخبار العامة والاقتصادية وأبرز الأحداث الدولية، مع اهتمام خاص بالتطورات السياسية والاقتصادية، وأسواق المال، والأعمال، والتكنولوجيا، والطاقة، والقضايا الإقليمية والعالمية. يلتزم بتقديم محتوى إخباري دقيق وموثوق يعتمد على المصادر الرسمية والبيانات الموثقة، مع الحرص على الموضوعية والحياد والسرعة في نقل الأخبار، بما يزوّد القرّاء برؤية واضحة وشاملة لأهم المستجدات في العالم.

جميع مقالاته ←
⏳ جاري تحميل الإعلان…
📬

ابقَ على اطلاع دائم

اشترك في نشرتنا الإخبارية واحصل على أحدث الأخبار الاقتصادية مباشرة إلى بريدك.