منذ اندلاع المواجهة العسكرية بين الولايات المتحدة وإيران أواخر فبراير 2026، لم يعد مضيق هرمز مجرد ممر مائي على الخرائط، بل تحوّل إلى المتغير الأكثر تأثيرا في معادلة الاقتصاد الخليجي والعالمي خلال العام الجاري. فخلال أقل من ستة أشهر، تأرجحت أسعار النفط بين أعلى مستوياتها منذ سنوات وانهيارات حادة تجاوزت 20% في الجلسة الواحدة، وارتفعت أقساط تأمين الناقلات العملاقة من مئات الآلاف إلى ملايين الدولارات للرحلة الواحدة، بينما اضطرت دول خليجية، على رأسها قطر، إلى تعليق الملاحة البحرية وإعادة فتحها أكثر من مرة. هذا التحليل يحاول تتبع الخيوط المتشابكة لهذه الأزمة، وقياس أثرها الفعلي على اقتصادات المنطقة، وتقييم ما إذا كانت ستترك بصمة دائمة على خريطة الطاقة والتجارة العالمية.
الجذور: من الحرب على إيران إلى شبه إغلاق هرمز
بدأت الأزمة الحالية في 28 فبراير 2026 مع اندلاع مواجهة عسكرية مباشرة بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى. وسرعان ما تحوّل مضيق هرمز، الذي يمر عبره نحو 20% من تدفقات النفط والغاز العالمية يوميا، إلى ساحة مواجهة غير مباشرة، مع تكرار حوادث استهداف الناقلات وتعليق حركة الملاحة بشكل شبه كامل في عدة مناسبات. ومنذ ذلك الحين، مرت المنطقة بدورات متكررة من التصعيد والتهدئة: هدنة لمدة أسبوعين في أبريل، تلتها انتكاسات، ثم مذكرة تفاهم بين واشنطن وطهران في يونيو برعاية قطرية-باكستانية، أعقبها إعلان الرئيس الأمريكي في الثامن من يوليو إنهاء العمل بوقف إطلاق النار، ثم موجة تصعيد جديدة شملت هجمات صاروخية طالت قواعد أمريكية في الإمارات وقطر والكويت والبحرين والأردن وعمان في 12 يوليو.
وقد ترافقت هذه الدورة مع تصعيد موازٍ في البحر الأحمر، حيث استهدفت جماعة الحوثي المدعومة من إيران ناقلتي نفط سعوديتين، ما هدد بإغلاق أحد أهم المسارات البديلة لصادرات النفط السعودي في وقت شبه توقفت فيه الملاحة عبر هرمز، ودفع خام برنت لتجاوز 100 دولار للبرميل للمرة الأولى منذ مايو.
أرقام الصدمة: أسعار النفط تحت المجهر
تعكس حركة الأسعار خلال الأشهر الماضية حجم الهشاشة التي أصابت سوق النفط. ففي ذروة المواجهة بين إبريل ومايو، هوت الأسعار أكثر من 20% خلال أيام معدودة عقب كل إعلان هدنة، قبل أن ترتد صعودا مع كل انتكاسة. وقد أظهرت بيانات وكالة الطاقة الدولية أن التوقف شبه الكامل لحركة الملاحة عبر هرمز أدى في مرحلة من المراحل إلى خفض إنتاج بعض دول الخليج بما يصل إلى 12 مليون برميل يوميا، وهو ما فسر القفزات الحادة في الأسعار كلما تجدد التصعيد.
| المحطة الزمنية | خام برنت | خام غرب تكساس |
|---|---|---|
| قبل الحرب (27 فبراير 2026) | نحو 72 دولارا | نحو 65 دولارا |
| ذروة التصعيد (أبريل 2026) | أكثر من 117 دولارا | نحو 99 دولارا |
| عقب هدنة مؤقتة (أبريل 2026) | هبوط إلى نحو 94 دولارا (-14%) | هبوط إلى نحو 95 دولارا |
| تصعيد الحوثي/البحر الأحمر (يوليو 2026) | تجاوز 100 دولار مجددا | حول 92 دولارا |
| تراجع أخير (25 يوليو 2026) | 96.78 دولار | 89.31 دولار |
تأمين السفن: القفزة غير المسبوقة
تحوّل قطاع التأمين البحري إلى أحد أبرز المرايا العاكسة لحجم المخاطر. فبحسب تقديرات وسطاء الشحن، ارتفعت أقساط التأمين ضد مخاطر الحرب لعبور مضيق هرمز من مستوى تقليدي يتراوح بين 0.02% و0.125% من قيمة السفينة، إلى ما بين 0.5% وصولا إلى 10% في ذروة التصعيد، أي ما يعادل قفزة من نحو 150-250 ألف دولار للرحلة إلى ما بين 10 و14 مليون دولار لبعض الناقلات العملاقة وفقا لتقارير “لويدز ليست”. وفي البحر الأحمر، قفزت أقساط التأمين ضد مخاطر الحرب إلى نحو 0.75% من قيمة السفينة عقب تهديدات الحوثي الأخيرة، مقارنة بنحو 0.3% سابقا.
ولم تقتصر التداعيات على تكلفة التأمين، إذ لجأت شركات تشغيل الناقلات، مثل مجموعة “سينوكور” الكورية الجنوبية، إلى تقديم مكافآت مالية ضخمة تصل إلى راتب ستة أشهر مقابل رحلة واحدة تستغرق نحو شهر، في محاولة لإقناع البحارة بالعمل على خطوط الملاحة عبر هرمز وسط تراجع استعدادهم للمخاطرة.
من ينبع إلى الفجيرة: سباق أنابيب الطاقة البديلة
في خضم هذه الاضطرابات، استعاد خط أنابيب “شرق-غرب” السعودي، المعروف أيضا باسم “بترولاين”، مكانته كأحد أهم صمامات أمان الطاقة العالمية. أُنشئ هذا الخط، الذي يمتد لأكثر من 1200 كيلومتر، في ثمانينيات القرن الماضي عقب مخاوف من إغلاق هرمز خلال حرب الناقلات بين إيران والعراق، وهو ينقل النفط الخام من حقول المنطقة الشرقية السعودية إلى ميناء الملك فهد الصناعي في ينبع على البحر الأحمر، بطاقة استيعابية تصل إلى نحو 7 ملايين برميل يوميا. وقد مكّن هذا الخط أرامكو من مواصلة تصدير نحو 5 ملايين برميل يوميا لعملائها دون انقطاع تام رغم إغلاق هرمز، فيما تدرس الرياض حاليا توسيع طاقته الاستيعابية بمقدار يتراوح بين مليون ومليوني برميل إضافية يوميا، وإن كان المشروع لا يزال في مرحلة الدراسة ويحتاج سنوات للتنفيذ.
وفي موازاة ذلك، تدرس دول خليجية أخرى، من بينها الإمارات عبر ميناء الفجيرة، خيارات مماثلة لتنويع مسارات التصدير بعيدا عن الاعتماد الحصري على هرمز، في مؤشر على أن الأزمة قد تترك إرثا بنيويا طويل الأمد في هندسة طرق تصدير الطاقة بالمنطقة.
صمود قطر: التعليق والاستئناف المتكرر للملاحة
مثّلت قطر نموذجا لافتا على حجم الاضطراب الذي أصاب الملاحة البحرية الخليجية، إذ لجأت وزارة المواصلات القطرية إلى تعليق الأنشطة البحرية بشكل احترازي أكثر من مرة خلال الأشهر الماضية: مرة أواخر يونيو عقب حادث بحري أودى بحياة مواطن قطري، قبل الاستئناف الكامل في 5 يوليو، ثم التعليق مجددا في 12 يوليو عقب هجوم صاروخي أسفر عن إصابة 3 أشخاص في الدوحة بينهم طفل، وصولا إلى الاستئناف الكامل الأخير في 26 يوليو. هذا التذبذب المتكرر يعكس حجم الحساسية الأمنية التي باتت تحكم القرار الاقتصادي واللوجستي في الخليج، حيث بات على الحكومات الموازنة بين استمرارية النشاط الاقتصادي وسلامة المواطنين والمقيمين في آنٍ واحد.
أوبك+ بين ضبط السوق وتعويض الفاقد
على صعيد سياسة الإنتاج، حافظ تحالف أوبك+ على نهج تدريجي في رفع سقوف الإنتاج رغم الاضطرابات، إذ أقرت سبع دول رئيسية في التحالف، هي السعودية وروسيا والعراق والكويت وكازاخستان والجزائر وعُمان، زيادة إنتاج بمقدار 188 ألف برميل يوميا اعتبارا من أغسطس 2026، في استمرار لزيادات مماثلة طبقت في يونيو ويوليو، ضمن خطة تدريجية لإلغاء تخفيضات طوعية سابقة. وتستحوذ السعودية وروسيا على أكبر حصة من هذه الزيادة بواقع 62 ألف برميل يوميا لكل منهما، فيما يبلغ سقف الإنتاج المستهدف للسعودية 10.416 ملايين برميل يوميا، الأعلى بين الدول المشاركة.
| البند | القيمة |
|---|---|
| زيادة الإنتاج المقررة لأغسطس 2026 | 188 ألف برميل يوميا |
| حصة السعودية وروسيا من الزيادة | 62 ألف برميل يوميا لكل منهما |
| سقف الإنتاج السعودي المستهدف | 10.416 ملايين برميل يوميا |
| إجمالي التخفيضات الطوعية قيد الإلغاء التدريجي | 1.65 مليون برميل يوميا |
اقتصادات الخليج تحت الفحص: صندوق النقد والبنك الدولي
لم تمر هذه الاضطرابات دون أن تترك أثرا واضحا في توقعات النمو الإقليمية. فقد خفض صندوق النقد الدولي توقعاته لنمو اقتصادات الشرق الأوسط وشمال أفريقيا إلى 1.1% خلال 2026، بانخفاض قدره 2.8 نقطة مئوية عن تقديراته السابقة، مشيرا إلى أن الأثر لا يقتصر على النفط والغاز، بل يمتد إلى الأسمدة والمنتجات الكيميائية والقطاع غير النفطي، لا سيما الطيران والخدمات اللوجستية التي تؤدي فيها دول مجلس التعاون الخليجي دورا محوريا. كما خفض البنك الدولي توقعاته لنمو اقتصادات دول مجلس التعاون إلى 1.3% فقط خلال 2026، بانخفاض 3.1 نقاط مئوية عن توقعاته في يناير، وبأقل كثيرا من معدل النمو البالغ 4.5% الذي تحقق في 2025.
غير أن الصورة لم تكن متجانسة بين دول المنطقة؛ إذ استفادت السعودية من خط أنابيب “شرق-غرب” في تجاوز إغلاق هرمز نسبيا، بينما خُفضت توقعات نمو الإمارات لعام 2026 إلى 3.1% بانخفاض 1.9 نقطة مئوية، بعد تعرض بعض مرافق الغاز وميناء الفجيرة لتعطل جزئي.
| الجهة | التوقع المعدّل لنمو دول الخليج/المنطقة 2026 |
|---|---|
| صندوق النقد الدولي (الشرق الأوسط وشمال أفريقيا) | 1.1% (تراجع 2.8 نقطة مئوية) |
| البنك الدولي (دول مجلس التعاون الخليجي) | 1.3% (تراجع 3.1 نقاط مئوية) |
| الإمارات (توقع منفرد) | 3.1% (تراجع 1.9 نقطة مئوية) |
البنوك الخليجية: رأسمال قوي يمتص الصدمة
على صعيد القطاع المصرفي، رأت وكالة “إس آند بي” أن الحرب ستنعكس على بنوك الخليج عبر نمو أبطأ وربحية أضعف ومؤشرات أقل جودة للأصول، لكنها رجّحت في المقابل أن تتمكن هذه البنوك من امتصاص الضغوط بفضل رؤوس أموال قوية، إذ بلغ متوسط نسبة رأس المال الأساسي من الشريحة الأولى لأكبر 50 بنكا في المنطقة نحو 17% بنهاية مارس 2026. وتوقعت الوكالة نموا ائتمانيا يتراوح بين 5% و6% لبنوك الخليج خلال 2026، مع بقاء النمو موجبا في السعودية وعُمان والإمارات تحديدا، وبادرت البنوك المركزية في الكويت والإمارات وقطر والبحرين إلى إطلاق حزم دعم استباقية لتعزيز قدرة القطاع المصرفي على مواجهة تداعيات الصراع.
الشركات المدرجة: مرونة تفوق التوقعات
ربما كانت المفاجأة الأبرز في تحليل “بلومبرغ إنتليجنس” لنتائج الربع الأول لعام 2026، والذي أظهر أن نحو نصف الشركات المدرجة ضمن مؤشرات “إم إس سي آي” في السعودية والإمارات وقطر تجاوزت توقعات الأرباح رغم تأثير الحرب، مستفيدة من ارتفاع أسعار النفط وتحول مسارات التجارة. وتصدرت شركة “ديوا” الإماراتية قائمة الشركات المتفوقة، بأرباح تجاوزت التقديرات بنسبة 38%، مدفوعة بالطلب القوي على الكهرباء وتحلية المياه إلى جانب انخفاض تكاليف التمويل، فيما استفادت شركات البنية التحتية والخدمات الرقمية من زيادة الإنفاق الحكومي.
خاتمة: هل يعيد هذا الصراع رسم خريطة الطاقة العالمية؟
يشير مجمل هذه المؤشرات إلى أن أزمة هرمز والبحر الأحمر لم تكن مجرد صدمة عابرة في أسعار النفط، بل محطة اختبار حقيقية لمرونة الاقتصادات الخليجية وبنيتها التحتية. فبينما أظهرت دول مثل السعودية قدرة لافتة على التكيف بفضل استثمارات استراتيجية قديمة كخط أنابيب “شرق-غرب”، عانت دول أخرى أكثر اعتمادا على هرمز من تباطؤ ملموس في النمو. وفي المقابل، أثبتت البنوك والشركات المدرجة في الأسواق الخليجية الكبرى مرونة تفوق ما توقعه كثير من المحللين، بفضل قوة رأس المال والدعم الحكومي.
ويبقى السؤال الأهم مفتوحا: هل ستدفع هذه التجربة دول الخليج إلى تسريع الاستثمار في مسارات تصدير بديلة دائمة تقلل الاعتماد على هرمز بشكل هيكلي، أم أن عودة الهدوء النسبي، كما تشير بوادر التهدئة الأخيرة وتراجع أسعار النفط، ستعيد الأمور إلى نمط ما قبل الأزمة؟ الإجابة على هذا السؤال ستحدد إلى حد كبير ملامح خريطة الطاقة والتجارة في المنطقة خلال السنوات المقبلة.