أعلن الديوان الأميري في دولة قطر، صباح اليوم الأحد، وفاة الأمير الوالد الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني عن عمر ناهز 74 عاماً، في نبأ هزّ الأوساط السياسية والدبلوماسية في المنطقة والعالم. الرجل الذي حكم قطر لثمانية عشر عاماً، بين 1995 و2013، لم يكن مجرد حاكم عابر في تاريخ الخليج، بل يوصف على نطاق واسع بأنه “مهندس قطر الحديثة”، الذي حوّل إمارة صحراوية صغيرة يقل عدد سكانها عن مليوني نسمة إلى واحدة من أغنى دول العالم للفرد، ولاعب دبلوماسي وإعلامي يتجاوز تأثيره حجم بلاده الجغرافي بأضعاف مضاعفة. أعلنت الحكومة القطرية حداداً رسمياً لمدة أربعة أيام اعتباراً من غد الاثنين، مع تعليق العمل في الجهات الحكومية وتنكيس الأعلام في جميع أنحاء البلاد.
من هو الشيخ حمد؟ النشأة والتكوين العسكري
وُلد الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني في الدوحة في يناير 1952، ضمن أسرة آل ثاني الحاكمة التي كانت تتولى مقاليد الحكم في قطر منذ أكثر من قرن. تلقى تعليمه الأولي والثانوي في الدوحة، قبل أن يُبتعث إلى المملكة المتحدة لدراسة العلوم العسكرية في الأكاديمية الملكية العسكرية البريطانية “ساندهيرست”، أحد أعرق المعاهد العسكرية في العالم، وتخرج منها عام 1971 برتبة مقدم في الجيش القطري.
عند عودته إلى قطر، تولى قيادة “الكتيبة المتحركة الأولى” التي طورها لاحقاً إلى قوة نخبوية حملت اسمه فيما بعد (“كتيبة حمد المتحركة”). وفي عام 1975 رُقّي إلى رتبة لواء وعُيّن قائداً عاماً للقوات المسلحة القطرية، حيث أشرف على برنامج طموح لتحديث الجيش وتوسيع قدراته وتطوير تسليحه وتدريبه. وفي 31 مايو 1977، عيّنه والده الأمير خليفة بن حمد آل ثاني ولياً للعهد ووزيراً للدفاع في آن واحد، وهو المنصب الذي مكّنه تدريجياً من إدارة الشؤون اليومية للبلاد، خصوصاً بعد حرب الخليج الثانية (1990-1991) حين تولى الشيخ حمد فعلياً إدارة دفة الحكم بينما بقي والده بعيداً عن التفاصيل اليومية.
انقلاب 1995: كيف أطاح الابن بأبيه بلا إراقة دماء؟
في 27 يونيو 1995، وبينما كان والده الأمير خليفة بن حمد آل ثاني في زيارة إلى جنيف بسويسرا، أعلن الشيخ حمد استلامه مقاليد الحكم في انقلاب قصر هادئ لم تُرَق فيه قطرة دم واحدة. لم يكن الخبر مفاجئاً تماماً لكثير من القطريين، الذين شعروا بأن وتيرة التنمية الاقتصادية كانت بطيئة رغم تراكم عائدات النفط، وأن البلاد بحاجة إلى قيادة أكثر طموحاً. سارعت العائلة الحاكمة وشخصيات قطرية بارزة إلى مبايعة الأمير الجديد.
عاش الأمير المخلوع في المنفى بين فرنسا وأبوظبي لمدة تسع سنوات، قبل أن يعود إلى قطر عام 2004 لحضور جنازة زوجته. وفي فبراير 1996، أي بعد أشهر قليلة من تولي الشيخ حمد الحكم، تعرض لمحاولة انقلاب مضاد باءت بالفشل، اتُّهمت بالتورط فيها أطراف إقليمية عدة، ما ترك أثراً على العلاقات القطرية مع بعض جيرانها الخليجيين لسنوات لاحقة.
- 74 عاماً — عمر الأمير الراحل عند وفاته.
- 18 عاماً — مدة حكمه لدولة قطر (1995-2013).
- ×24 — معدل نمو الناتج المحلي الإجمالي لقطر خلال فترة حكمه.
- 77 مليون طن سنوياً — إنتاج قطر من الغاز الطبيعي المسال بحلول 2006، ما جعلها أكبر مصدّر عالمي له.
- +100 مليار دولار — حجم استثمارات صندوق قطر للاستثمار حول العالم بحلول عام 2013.
ثروة الغاز التي غيّرت كل شيء
أدرك الشيخ حمد منذ اليوم الأول لحكمه أن مستقبل قطر مرهون باستغلال حقل الشمال، أضخم حقل غاز طبيعي منفرد في العالم، والذي كان والده متردداً في تطويره خشية أن يُحدث تحولات اجتماعية جذرية على مجتمع قطري محافظ صغير. مضى الشيخ حمد في الاتجاه المعاكس تماماً، ودفع باستثمارات ضخمة لتطوير قدرات الإسالة والتصدير، فارتفع إنتاج الغاز الطبيعي المسال إلى 77 مليون طن سنوياً بحلول عام 2006، لتصبح قطر أكبر مصدّر لهذه المادة في العالم خلال سنوات قليلة. نتيجة لذلك، تضاعف الناتج المحلي الإجمالي لقطر أكثر من 24 مرة خلال فترة حكمه، وارتفع متوسط دخل الفرد إلى ما يزيد على 86 ألف دولار سنوياً، ليضع البلاد في مصاف أغنى دول العالم نسبةً لعدد سكانها.
لتوظيف هذه الثروة المتدفقة، أسس الشيخ حمد عام 2005، بالتعاون مع الشيخ حمد بن جاسم بن جبر آل ثاني، صندوق قطر للاستثمار (QIA)، الذراع السيادي الذي تحول خلال سنوات قليلة إلى أحد أكبر صناديق الثروة السيادية في العالم. بحلول عام 2013، كانت استثمارات الصندوق قد تجاوزت 100 مليار دولار حول العالم، شملت حصصاً في أصول بارزة مثل ناطحة السحاب “ذا شارد” في لندن، وبنك “باركليز”، ومطار “هيثرو”، ومتجر “هارودز” الشهير، ونادي “باريس سان جيرمان” الفرنسي لكرة القدم، إضافة إلى حصص في “فولكس فاغن” و”سيمنز” و”رويال داتش شل”.
الجزيرة: صوت غيّر خريطة الإعلام العربي
من أبرز إرث الشيخ حمد تأسيسه شبكة “الجزيرة” الإخبارية عام 1996، أول قناة إخبارية مستقلة في المنطقة العربية آنذاك، والتي منحت قطر صوتاً إعلامياً يفوق حجمها الجغرافي بمراحل. تحولت الشبكة خلال سنوات قليلة إلى واحدة من أكثر المؤسسات الإعلامية تأثيراً في العالم، ولعبت دوراً محورياً في تغطية أحداث مفصلية بالمنطقة، من الغزو الأمريكي للعراق إلى ثورات الربيع العربي.
دبلوماسية الوساطة: من دارفور إلى غزة
سعى الشيخ حمد إلى ترسيخ صورة قطر كوسيط دبلوماسي نزيه في نزاعات المنطقة، فرعت الدوحة اتفاقيات واتصالات لتهدئة الأزمة في إقليم دارفور بالسودان، والخلافات الطائفية اللبنانية عبر “اتفاق الدوحة” عام 2008، ومحاولات التقريب بين حركتي “فتح” و”حماس” الفلسطينيتين. وفي أكتوبر 2012، أصبح أول رئيس دولة يزور قطاع غزة منذ أكثر من عقد، معلناً حزمة استثمارات ومشاريع بقيمة 400 مليون دولار، في زيارة رددت خلالها محطات الإذاعة المحلية أغنية “شكراً قطر”. وقد أُطلق اسمه على أحياء وشوارع في غزة وجنوب لبنان تقديراً لدعمه.
وصفه رئيس الوزراء الفلسطيني الأسبق ومسؤولون في حركة حماس بأنه “زعيم عربي وطني كبير” داعم دائم للقضية الفلسطينية. اقرأ أيضاً: كيف حوّلت أرامكو أزمة مضيق هرمز إلى ميزة تسعيرية غير متوقعة؟.
الربيع العربي: الدور الأكثر جدلاً
لعبت قطر تحت قيادة الشيخ حمد دوراً بارزاً ومثيراً للجدل خلال ثورات الربيع العربي عام 2011، إذ وظّفت الدوحة نفوذها المالي والإعلامي لدعم حركات التغيير الثوري وجماعات إسلامية في عدد من الدول العربية. وبينما قدّمت الدوحة سياستها على أنها دعم لمطالب شعبية بالتغيير السياسي، اتهمها منتقدون بالانحياز الانتقائي لفصائل مرتبطة بجماعة “الإخوان المسلمين”، وهو ما وضع الشيخ حمد في مواجهة مع دول خليجية مجاورة كالسعودية والإمارات، اللتين اعتبرتا هذه الحركات تهديداً للاستقرار الإقليمي ونظام الحكم الملكي. في ليبيا، ذهبت قطر إلى حد دعم العملية العسكرية التي قادها حلف الناتو والتي أطاحت في نهاية المطاف بالزعيم الليبي معمر القذافي، بينما شكلت الدوحة أحد أبرز الداعمين السياسيين للمعارضة السورية.
كأس العالم 2022: الإنجاز الأكثر إبهاراً
من أبرز إنجازات الشيخ حمد فوز قطر باستضافة بطولة كأس العالم لكرة القدم 2022، وهو القرار الذي اتُّخذ عام 2010 وأطلق موجة ضخمة من الاستثمار في البنية التحتية شكّلت خط أفق الدوحة الحديث الذي نعرفه اليوم. كما شهدت فترة حكمه استضافة قطر لفعاليات دولية بارزة أخرى، من دورة الألعاب الآسيوية 2006 إلى مؤتمر الأمم المتحدة للتغير المناخي عام 2012.
إصلاحات سياسية وأول دستور دائم
شهد عهده أيضاً إقرار أول دستور دائم لدولة قطر عام 2004، وإدخال نظام الانتخابات البلدية الذي سُمح فيه للنساء بالتصويت والترشح لأول مرة، في خطوة اعتُبرت آنذاك متقدمة نسبياً في سياق إقليمي محافظ. اقرأ أيضاً: من البحر الأحمر إلى هرمز.. كيف….
التنازل الطوعي عن السلطة: سابقة خليجية نادرة
في 25 يونيو 2013، فاجأ الشيخ حمد العالم بإعلانه التنازل عن العرش طوعاً لصالح نجله ولي العهد الشيخ تميم بن حمد آل ثاني، الذي كان حينها في الثالثة والثلاثين من عمره. وفي خطاب تلفزيوني مؤثر، قال الأمير الراحل: “أُعلن أنني سأسلّم مقاليد الحكم إلى الشيخ تميم بن حمد آل ثاني، وأنا على ثقة تامة بأنه أهل لهذه المسؤولية، وجدير بالثقة، وقادر على تحمّل أعباء هذه المهمة وتحقيق رسالتها”. شكّل هذا الانتقال السلمي والطوعي للسلطة سابقة نادرة في منطقة الخليج، حيث جرت العادة أن يبقى الحكام في مناصبهم مدى الحياة، وفُسّر آنذاك كمحاولة استباقية من الشيخ حمد لضمان انتقال سلس للسلطة بعيداً عن الصراعات الداخلية التي طالما ميزت تاريخ الأسرة الحاكمة.
ردود فعل عربية ودولية واسعة
توالت برقيات التعازي من قادة العالم فور إعلان الخبر. الرئيس المصري عبدالفتاح السيسي عبّر عن “خالص التعازي والمواساة لدولة قطر الشقيقة”، فيما نعاه رئيس الوزراء الهندي ورئيس جمهورية العراق، إلى جانب بيان تأبين من حركة حماس وصفت فيه الراحل بأنه “قائد وطني وعربي كبير” و”صاحب مبادرة ورؤية إنسانية أصيلة”.
الحياة الأسرية
- ✔ تزوج الشيخ حمد ثلاث مرات وأنجب 24 ولداً وبنتاً.
- ✔ زوجته الثانية الشيخة موزا بنت ناصر المسند، التي برز دورها الاجتماعي والتعليمي بشكل غير مسبوق لزوجة حاكم خليجي.
- ✔ نجله الشيخ تميم بن حمد آل ثاني هو الأمير الحالي لدولة قطر منذ 2013.
برحيل الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني، تطوي المنطقة صفحة أحد أكثر قادتها تأثيراً وجدلاً في آن واحد؛ حاكمٌ حوّل إمارة صحراوية محدودة الموارد البشرية إلى قوة اقتصادية وإعلامية ودبلوماسية يُحسب لها حساب على الساحة الدولية، وأرسى من خلال تنازله الطوعي عن السلطة سابقة نادرة قد تُلهم نقاشات مستقبلية حول انتقال الحكم في الممالك والإمارات الخليجية. يبقى إرثه، بين إنجاز اقتصادي باهر وجدل سياسي إقليمي عميق، أحد أكثر الفصول تعقيداً وثراءً في تاريخ الخليج الحديث. اقرأ أيضاً: مزيد من التفاصيل حول الإمارات وكندا تختتمان مفاوضات CEPA في 47 يوماً.. رقم قياسي.