في تحديث لم يمر مرور الكرام، أعاد صندوق النقد الدولي رسم توقعاته لاقتصاد المملكة العربية السعودية بصورة متناقضة على السطح لكنها منطقية في جوهرها: خفض حاد لتوقعات النمو خلال 2026، مقابل قفزة لافتة في توقعات 2027 تفوق نقطة مئوية كاملة. الرسالة الأعمق خلف الأرقام: بينما تدفع منطقة الشرق الأوسط بأكملها ثمن الحرب الأمريكية الإسرائيلية الإيرانية، تخرج السعودية من بين الاقتصادات القليلة القادرة على الصمود — وربما التعافي بقوة أكبر من المتوقع.
ماذا تغيّر بالضبط في تقرير يوليو؟
خفض صندوق النقد الدولي توقعاته لنمو الاقتصاد السعودي خلال 2026 إلى 1.7%، مقارنة بـ3.1% في تقديرات أبريل الماضي — تراجع يعزوه الصندوق إلى افتراضات محدثة مرتبطة مباشرة بالصراع الدائر في المنطقة واضطرابات طرق التجارة والملاحة عبر مضيق هرمز. لكن في المقابل، رفع الصندوق توقعاته لنمو 2027 إلى 5.5%، بزيادة نقطة مئوية كاملة عن تقديرات أبريل التي كانت عند 4.5%.
الأرقام الكاملة — صندوق النقد الدولي، يوليو 2026
- 1.7% — نمو الاقتصاد السعودي المتوقع في 2026 (تراجع من 3.1%)
- 5.5% — نمو الاقتصاد السعودي المتوقع في 2027 (ارتفاع من 4.5%)
- -0.5% — انكماش متوقع لاقتصاد منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا ككل في 2026
- 3.0% — النمو الاقتصادي العالمي المتوقع في 2026، و3.4% في 2027
- 4.7% — التضخم العالمي العام المتوقع في 2026 (من 4.1% في 2025)
لماذا تُعتبر السعودية استثناءً إقليمياً؟
يشير الصندوق إلى أن صمود الاقتصاد السعودي يعود إلى شبكة مسارات لوجستية وتصديرية بديلة ساعدت في حماية زخم الأنشطة غير النفطية من التأثيرات المباشرة للحرب، إلى جانب استمرار تنفيذ برامج الإصلاح الاقتصادي الأوسع نطاقاً ضمن “رؤية 2030”. وهذا التماسك البنيوي يأتي في وقت دفع فيه الجوار الإقليمي ثمناً باهظاً؛ إذ يتوقع الصندوق أن تنزلق منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا بأكملها إلى الانكماش خلال 2026.
هذه التقديرات الجديدة تأتي بعد أقل من شهر من توقعات منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية (OECD)، التي كانت قد رجّحت نمو الاقتصاد السعودي بنسبة 4.3% في 2027، مستندة إلى مرونة القطاع غير النفطي وقوة الطلب المحلي — وهو ما يتقارب مع الاتجاه العام لتقديرات الصندوق الجديدة وإن اختلف في الرقم الدقيق. اقرأ أيضاً: صندوق النقد الدولي يخفض نمو السعودية إلى 1.7%.. لكنه يعد بـ5.5% في 2027 — ماذا يعني هذا التذبذب؟.
الاقتصاد السعودي “ظل قادراً على الصمود رغم التوترات الإقليمية” — تقييم سابق لصندوق النقد الدولي صدر في يونيو 2026، أعاد الصندوق التأكيد عليه ضمن تحديثه الأخير.
الصورة العالمية: تجارة أبطأ وتضخم أعلى
على المستوى العالمي، أبقى الصندوق توقعاته للنمو العام دون تغيير كبير على أساس تراكمي، عند 3% في 2026 و3.4% في 2027، مشيراً إلى أن تأثير التوترات الجيوسياسية الأخيرة يقابله جزئياً زخم في دورة التكنولوجيا العالمية مدفوع بالذكاء الاصطناعي. لكن نمو التجارة العالمية مرشح للتباطؤ بشكل ملموس إلى 3.5% في 2026، من 5% في 2025، قبل أن يتعافى إلى 4.3% في 2027. كما يتوقع الصندوق ارتفاع التضخم العالمي العام إلى 4.7% في 2026 من 4.1% في 2025، في مؤشر على تعثر مسار خفض التضخم المستمر منذ أوائل 2024، قبل أن يتراجع مجدداً إلى 3.9% في 2027.
ما الذي يعنيه هذا للمستثمرين في السوق السعودي؟
- التباطؤ المتوقع في 2026 مرتبط بظرف إقليمي مؤقت، وليس ضعفاً بنيوياً في الاقتصاد السعودي
- القطاع غير النفطي يظل نقطة القوة الرئيسية التي يراهن عليها الصندوق ووكالات التصنيف على حد سواء
- تخفيف قيود إنتاج أوبك+ خلال الفترة المقبلة قد يدعم تسريع وتيرة التعافي في 2027
- تباين واضح بين أداء السعودية وبقية اقتصادات الشرق الأوسط يستحق المراقبة عند مقارنة فرص الاستثمار الإقليمية
- ترقب تحديثات وكالات التصنيف الائتماني (فيتش، موديز، ستاندرد آند بورز) لمعرفة مدى اتساقها مع تقديرات الصندوق الجديدة
خلاصة
يقدّم تقرير صندوق النقد الدولي لشهر يوليو صورة مزدوجة عن الاقتصاد السعودي: ألم قصير المدى بسبب ظرف إقليمي طارئ، مقابل ثقة متجددة في قدرة الاقتصاد على تجاوزه بقوة أكبر خلال 2027. وبينما تتحمل دول الجوار كلفة أثقل من الصراع الدائر، يبدو أن استثمارات المملكة الطويلة الأمد في تنويع مصادر النمو بدأت تثبت جدواها فعلياً في أصعب الظروف الإقليمية.