في عام شهد فيه الاقتصاد العالمي حذراً استثمارياً غير مسبوق بفعل التوترات الجيوسياسية، حققت دولة الإمارات إنجازاً لافتاً: استقطاب 48.3 مليار دولار من الاستثمار الأجنبي المباشر خلال 2025، لتتقدم إلى المرتبة التاسعة عالمياً بين أبرز وجهات الاستثمار — وهو الرقم القياسي الرابع على التوالي للدولة. الأهم من ذلك أن الإمارات لم تكتفِ باستقبال رؤوس الأموال، بل باتت من كبار مصدّريها أيضاً، في مؤشر يعيد رسم موقعها على خريطة المال العالمي.
ماذا يقول تقرير الأونكتاد بالأرقام؟
وفق تقرير الاستثمار العالمي 2026 الصادر عن مؤتمر الأمم المتحدة للتجارة والتنمية (الأونكتاد)، الذي صدر هذا الأسبوع، سجّلت الإمارات تدفقات استثمار أجنبي مباشر واردة بلغت 48.3 مليار دولار (177.3 مليار درهم)، بنمو 6% مقارنة بعام 2024، ليرتفع رصيد الاستثمار الأجنبي المتراكم في الدولة إلى 318.9 مليار دولار (1.17 تريليون درهم) بنهاية العام.
أبرز أرقام تقرير الأونكتاد 2026 — الإمارات
- 48.3 مليار دولار — تدفقات الاستثمار الأجنبي المباشر الواردة (+6% سنوياً)
- المركز 9 عالمياً بين وجهات الاستثمار الأجنبي المباشر
- 63 مليار دولار — تدفقات الاستثمار الأجنبي المباشر الصادرة (المركز 9 عالمياً)
- 318.9 مليار دولار — رصيد الاستثمار الأجنبي المباشر المتراكم في الدولة
- 1,562 مشروعاً استثمارياً تأسيسياً بقيمة 34.1 مليار دولار (المركز 2 عالمياً للعام الثالث توالياً)
- +65,000 وظيفة جديدة نتجت عن هذه المشاريع
الإمارات مصدّرة لرأس المال أيضاً — لا فقط مستقبِلة له
اللافت في تقرير هذا العام أن الإمارات لم تعد مجرد وجهة لرؤوس الأموال الأجنبية، بل تحولت إلى مصدّر رئيسي لها. فبحسب الأونكتاد، ضخّت مؤسسات إماراتية 63 مليار دولار استثمارات خارجية في 2025، واضعة الدولة في المرتبة التاسعة عالمياً بين أكبر مصدّري الاستثمار الأجنبي المباشر — وإن كان هذا الرقم أقل من 77 مليار دولار المسجلة في 2024. تصدّرت هذه التدفقات مشاريع البنية التحتية الرقمية والذكاء الاصطناعي، أبرزها استثمار شركة “إم جي إكس” الإماراتية في مجمع بيانات وذكاء اصطناعي بفرنسا بقيمة 43 مليار دولار، وهي من أضخم صفقات الاستثمار الأجنبي المباشر عالمياً خلال العام.
“ضمن أحدث تقرير للاستثمار العالمي، تواصل دولة الإمارات ترسيخ مكانتها وجهةً عالميةً للاستثمار والفرص.” اقرأ أيضاً: دبي تراهن على 9.31 تريليون دولار.. لماذا تبني مركزاً عالمياً للتمويل الإسلامي الرقمي الآن؟.
— الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبيلماذا يتقدم اقتصاد الإمارات رغم اضطرابات المنطقة؟
يأتي هذا الأداء في وقت شهدت فيه تدفقات الاستثمار الأجنبي المباشر العالمية عودة إلى النمو بنسبة 6% لتبلغ 1.6 تريليون دولار في 2025، بعد ثلاث سنوات من التراجع المتتالي. لكن هذا النمو تركّز بشكل حاد في عدد محدود من الاقتصادات: الاقتصادات المتقدمة استحوذت على الحصة الأكبر بنمو 11% لتصل إلى 723 مليار دولار، فيما حافظت الولايات المتحدة على صدارتها بتدفقات مستقرة عند 277 مليار دولار. في المقابل، ارتفعت تدفقات منطقة غرب آسيا (التي تضم دول الخليج) من 92 مليار دولار في 2024 إلى نحو 111 مليار دولار في 2025، مدفوعة بأداء قوي لاقتصادات المنطقة رغم الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران التي اندلعت في فبراير الماضي.
عربياً، حلّت الإمارات في صدارة الدول المستقطبة للاستثمار الأجنبي، متقدمة على السعودية التي جاءت في المركز الثالث عشر عالمياً، بينما دخلت الكويت قائمة أكبر 20 دولة مصدّرة لرأس المال بتدفقات خارجية بلغت 36 مليار دولار (المركز 17 عالمياً). كما ظلّت مصر أكبر متلقٍ للاستثمار الأجنبي في أفريقيا بنحو 15 مليار دولار، رغم خروجها من قائمة أكبر 20 دولة عالمياً مقارنة بعام استثنائي شهد صفقة “رأس الحكمة” الضخمة في 2024. اقرأ أيضاً: القطاع الخاص في الإمارات يفقد زخمه…...
ما الذي يجعل هذا الرقم مهماً للمستثمرين؟
- الإمارات سجلت نمواً للعام الرابع على التوالي في الاستثمار الوارد — استقرار نادر عالمياً في بيئة مضطربة
- معدل النمو السنوي المركب لتدفقات الاستثمار الوارد بلغ 24% بين 2021 و2025
- تنوّع مصادر الاستثمار الأجنبي يتسع جغرافياً، مع حضور متزايد للاقتصادات المتقدمة
- الدولة تستهدف رفع التدفقات الواردة إلى 65 مليار دولار سنوياً بحلول 2031
- الاستثمار الصادر يشير إلى تحوّل الإمارات لاعباً مموِّلاً في قطاع الذكاء الاصطناعي العالمي، لا مجرد سوق مستهلكة له
لكن التحذيرات قائمة أيضاً
رغم هذه الأرقام الإيجابية، يحذّر تقرير الأونكتاد من أن الحرب التي اندلعت في فبراير 2026 لم تنعكس بعد بالكامل على بيانات العام، إذ يغطي التقرير الفترة المنتهية في ديسمبر 2025 فقط. وكانت وكالة “فيتش” للتصنيف الائتماني قد توقعت في مايو الماضي انكماش الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي للإمارات بنسبة 4.8% خلال 2026، مع انكماش الناتج غير النفطي بنسبة 3.2%، في ظل استمرار تداعيات النزاع الإقليمي على قطاعي السياحة والتجارة تحديداً.
خلاصة
تكشف بيانات الأونكتاد أن الإمارات نجحت خلال 2025 في تحقيق معادلة نادرة: جذب رؤوس أموال قياسية والتحول في الوقت ذاته إلى مصدّر عالمي لها، وسط بيئة استثمارية دولية باتت أكثر انتقائية وتركّزاً في عدد محدود من الاقتصادات. الاختبار الحقيقي القادم سيكون في بيانات 2026، حين تنعكس تداعيات الحرب الإقليمية بشكل كامل على الأرقام — وهو ما سيحدد ما إذا كانت مرونة الاقتصاد الإماراتي قادرة على الصمود أمام اختبار أصعب من أي وقت مضى.