منذ مايو الماضي، بدأت الشركات والأفراد العاملون بين المملكة والإمارات يلاحظون نمطاً غير معتاد في حركة الأموال: تحويلات تُقتطع من حسابات سعودية دون أن تصل إلى مستفيديها في دبي، ومدفوعات تُحتجز لأسبوع كامل قبل أن تُعاد إلى مُرسليها، وعمليات دفع إلكتروني تُرفض بعبارة مقتضبة لا تفسّر السبب. وبالتوازي، وبحسب تقرير حصري لموقع “سيمافور” الأمريكي، بدأت شركات الشحن والنقل تشتكي من تأخيرات مماثلة، لكن هذه المرة في حركة البضائع الفعلية عبر معبر البطحاء الحدودي.
الأزمة في أرقام
- 25.7 مليار دولار — حجم التبادل التجاري بين السعودية والإمارات في 2025 (بأكثر من 20 مليار دولار سنوياً بحسب سيمافور)
- منذ مايو 2026 — بداية رصد تأخيرات التحويلات المصرفية والشحن معاً
- أكثر من أسبوع — المدة التي ينتظرها بعض سائقي الشاحنات عند المعبر الحدودي، حتى أن بعضهم ينام تحت مقطوراته
- مايو 2026 — إعلان الإمارات نيتها الانسحاب من “أوبك”، بعد أشهر من توتر ملف اليمن
على الجبهة المصرفية، أحد المسؤولين التنفيذيين في شركة رعاية صحية مقرها دبي أكد لصحيفة “فايننشال تايمز” أن بنوكاً سعودية حجبت وأعادت عدة دفعات من عميل سعودي طويل الأمد منذ منتصف مايو، حتى عندما حاول العميل نفسه إتمام التحويل شخصياً. مسؤول تنفيذي آخر أشار إلى أن مدفوعات من عملاء سعوديين باتت تستغرق وقتاً أطول بكثير من المعتاد، ما يعطّل تسليم البضائع المرتبطة بها. اقرأ أيضاً: عرقلة تحويلات بنكية بين الرياض وأبوظبي: ماذا كشفت “فايننشال تايمز”؟.
وعلى الجبهة البرّية، وصف مصدر مطّلع لسيمافور المشهد عند معبر البطحاء بأنه “تعطّل غير معلن”: شاحنات تحمل معدات بناء وأثاثاً وقطع غيار، بل وحتى ورود طازجة، تنتظر أياماً دون تفسير رسمي واضح، في وقت بات فيه بعض السائقين ينامون تحت مقطوراتهم ريثما تُستكمل الإجراءات على الجانب السعودي.
اللافت أن البيان الرسمي لم يوضح ما إذا كانت هناك زيادة فعلية في زمن معالجة التحويلات أو تطبيق لوائح جديدة، وهو ما ترك الباب مفتوحاً أمام تفسيرات متعددة. أحد المصادر المطّلعة رجّح أن يكون السبب الأقرب هو تشديد المؤسسة العامة النقدية السعودية “ساما” لإجراءات الفحص والامتثال على التحويلات الواردة والصادرة، فيما يربط تقرير سيمافور تأخيرات الشحن بمحاولة سعودية للحد مما تصفه بـ”تسرّب” النشاط الاقتصادي من المملكة نحو مراكز خليجية مجاورة كدبي.
من الجانب الإماراتي، جاء الرد أكثر حسماً في نفيه لوجود مشكلة رسمية معروفة، إذ أكد مسؤول في وزارة الاقتصاد والسياحة أن الوزارة لم تتلقَّ أي شكاوى من شركات القطاع الخاص بشأن تأخيرات غير معتادة، مشدداً على أن الإمارات والسعودية تحافظان على علاقات اقتصادية عميقة وراسخة. اقرأ أيضاً: دويتشه بنك ينضم إلى عمالقة المال….
هذه الاضطرابات المزدوجة لا تحدث في فراغ. فالعلاقة بين البلدين تمر بأصعب مرحلة لها منذ سنوات: توتر حول اليمن بلغ ذروته في ديسمبر الماضي بعد اتهام الرياض لأبوظبي بدعم فصيل انفصالي يمني عقب استهداف ميناء يمني، ثم أعقبه في مايو الماضي إعلان الإمارات المفاجئ نيتها الانسحاب من “أوبك”، المنظمة التي تقودها الرياض عملياً. البلدان يتنافسان أيضاً على أن يصبحا المركز الإقليمي الأول في قطاعي التمويل والذكاء الاصطناعي، وهو تنافس يعيد إلى الأذهان أزمات مماثلة لتكدس الشاحنات عند المعبر ذاته في سنوات سابقة، كل مرة تزامنت مع فتور سياسي بين الجارتين.
ما الذي يجب مراقبته في الأسابيع المقبلة؟
- هل ستصدر “ساما” أو المصرف المركزي الإماراتي توضيحات أكثر تفصيلاً حول أسباب التأخير المصرفي؟
- هل تتوسع الشركات في إعادة توجيه تحويلاتها عبر البحرين أو قنوات بديلة أكثر كلفة؟
- هل يمتد تكدس الشاحنات عند معبر البطحاء إلى أسابيع كما حدث في أزمات سابقة؟
- هل ستنعكس الأزمة المزدوجة على حجم التبادل التجاري لعام 2026 بعد النمو القوي المسجل في 2025؟
بعض الشركات المتضررة من التحويلات المصرفية بدأت بالفعل تحويل مساراتها المالية عبر البحرين، أو اللجوء إلى قنوات دفع أكثر كلفة مثل PayPal لضمان استمرار تدفق البضائع، فيما لم يُعرف بعد ما إذا كانت شركات الشحن ستلجأ إلى مسارات بديلة مشابهة لتفادي معبر البطحاء.
خلاصة WorldIMN
حين يتزامن تعطل تدفق الأموال مع تعطل تدفق البضائع بين دولتين تمثلان معاً أكبر شراكة تجارية عربية بقيمة تتجاوز 25 مليار دولار سنوياً، فإن الرسالة تتجاوز حادثة إدارية عابرة. سواء كان مصدر ذلك تشديداً تنظيمياً روتينياً أو انعكاساً لتوتر سياسي أعمق حول اليمن وأوبك والريادة الإقليمية، فإن الشركات العاملة بين الرياض ودبي تجد نفسها اليوم أمام كلفة أعلى وعدم يقين أكبر في أبسط عمليتين تجاريتين: تحويل المال، ونقل البضاعة.