منذ شهر مايو الماضي، بدأت شركات وأفراد يعملون بين المملكة والإمارات يلاحظون نمطاً غير معتاد: أموال تُقتطع من حسابات سعودية دون أن تصل إلى المستفيدين في دبي، وتحويلات تُحتجز لأسبوع كامل قبل أن تُعاد إلى مُرسليها، ومدفوعات إلكترونية تُرفض بعبارة مقتضبة لا تفسّر السبب. المصادر التي تحدثت لفايننشال تايمز أكدت أن الظاهرة تشمل قطاعات متعددة، لكن نطاقها الكامل وأسبابها الدقيقة ما زالا غير واضحين.
أحد المسؤولين التنفيذيين في شركة رعاية صحية مقرها دبي قال إن بنوكاً سعودية حجبت وأعادت عدة دفعات من عميل سعودي طويل الأمد منذ منتصف مايو، حتى عندما حاول العميل نفسه إتمام التحويل شخصياً. مسؤول تنفيذي آخر أشار إلى أن مدفوعات من عملاء سعوديين باتت تستغرق وقتاً أطول بكثير من المعتاد، ما يعطل تسليم البضائع المرتبطة بها.
الأرقام التي تكشف حجم المخاطر
- 25.7 مليار دولار — حجم التبادل التجاري بين السعودية والإمارات في عام 2025
- 21.7 مليار دولار — حجم التبادل التجاري نفسه في عام 2024 (نمو يقارب 18%)
- منذ مايو 2026 — بداية رصد التأخيرات وفق المصادر
- أسبوع واحد تقريباً — متوسط مدة احتجاز بعض التحويلات قبل إعادتها
المؤسسة العامة السعودية (ساما) لم تنفِ وجود التأخيرات بشكل مباشر، لكنها التزمت بصياغة عامة في ردها الرسمي: اقرأ أيضاً: من التحويلات المصرفية إلى الشاحنات المعلّقة: كيف يتحول الخلاف السياسي بين الرياض وأبوظبي إلى أزمة تجارية؟.
اللافت أن البيان لم يوضح ما إذا كانت هناك زيادة فعلية في زمن معالجة التحويلات أو تطبيق لوائح جديدة، وهو ما ترك الباب مفتوحاً أمام تفسيرات متعددة. أحد المصادر المطّلعة رجّح أن يكون السبب الأقرب هو تشديد “ساما” لإجراءات الفحص والامتثال على التحويلات الواردة والصادرة، وليس حظراً شاملاً متعمداً.
من الجانب الإماراتي، جاء الرد أكثر حسماً في نفيه لوجود مشكلة رسمية معروفة:
هذه الاضطرابات لا تحدث في فراغ. فالعلاقة بين البلدين تمر بأصعب مرحلة لها منذ سنوات: توتر حول اليمن بلغ ذروته في ديسمبر الماضي بعد اتهام الرياض لأبوظبي بدعم فصيل انفصالي يمني، ثم أعقبه في أبريل إعلان الإمارات المفاجئ نيتها الانسحاب من “أوبك”، المنظمة التي تقودها الرياض عملياً. البلدان يتنافسان أيضاً على أن يصبحا المركز الإقليمي الأول في قطاعي التمويل والذكاء الاصطناعي.
ما الذي يجب مراقبته في الأسابيع المقبلة؟
- هل ستصدر “ساما” أو المصرف المركزي الإماراتي توضيحات أكثر تفصيلاً حول أسباب التأخير؟
- هل تتوسع الشركات في إعادة توجيه تحويلاتها عبر البحرين أو قنوات بديلة كـ PayPal؟
- هل ستنعكس الأزمة على حجم التبادل التجاري لعام 2026 بعد النمو القوي في 2025؟
- هل يمتد الجفاء إلى ملفات أخرى غير مرتبطة مباشرة بالتحويلات المصرفية؟
بعض الشركات المتضررة بدأت بالفعل تحويل مساراتها المالية عبر البحرين، أو اللجوء إلى قنوات دفع أكثر كلفة مثل PayPal لضمان استمرار تدفق البضائع. وفي واقعة منفصلة لكن متزامنة زمنياً، أفادت رويترز بأن بنك أبوظبي التجاري (المملوك جزئياً لصندوق مبادلة) تعرّض لاضطرابات تقنية في خدماته المصرفية عبر التطبيق خلال الأسبوع الماضي، أثرت على عملاء التجزئة فقط، وقد تم حلها لاحقاً — في إشارة إلى أن ليست كل الاضطرابات المصرفية الأخيرة بالضرورة مرتبطة بالتوتر السياسي.
خلاصة WorldIMN
سواء كان مصدر هذه التأخيرات تشديداً تنظيمياً روتينياً أو انعكاساً لتوتر سياسي أعمق، فإن النتيجة العملية واحدة: ارتفاع كلفة وعدم يقين حركة الأموال بين الرياض ودبي، في وقت تحاول فيه الدولتان الحفاظ على واجهة من الاستقرار الاقتصادي المشترك. بالنظر إلى أن التبادل التجاري بينهما تجاوز 25 مليار دولار العام الماضي، فإن أي احتكاك مصرفي مطوّل قد يكلّف الطرفين أكثر مما يبدو ظاهرياً في الأرقام الرسمية.